top of page

حين يهمس اللون للروح: سيف العامري… بين تجريد الرؤية وصوفية التجلي

  • 21 مارس 2025
  • 4 دقيقة قراءة



لقاء صحفي مع فنان الطباعة و الفن التشكيلي العماني سيف العامري


بقلم: سيلينا السعيد – مسقط


في زوايا الفن التشكيلي العُماني، يبرز سيف العامري كواحدٍ من الأسماء الرائدة في فن الطباعة اليدوية والحفر. ليس مجرد فنان تشكيلي، بل صانعٌ لرؤى تختزل التفاصيل، ليحوّل الخشب والورق إلى لغةٍ بصرية تحكي قصصًا من التراث والوجدان الإنساني.


رحلة بين الأبيض والأسود

منذ بداياته، كان العامري مفتونًا بالتباين بين الضوء والظل، الأبيض والأسود. لم يكن ذلك خيارًا جماليًا فقط، بل بحثًا عن جوهر الشكل بعيدًا عن بهرجة الألوان. كان الحفر والطباعة اليدوية وسيلته لصياغة المشهد الفني الخاص به، حيث تتحوّل الكتل والخطوط إلى إيقاعات بصرية نابضة بالحياة.

حين تتحدث الخشبة… الفن كطقس روحي




في حديثه عن فن الحفر والطباعة اليدوية، يقول العامري:

“لا أتعامل مع الخشبة كمجرد وسيلة، بل كجسد يحمل روحي… كل شقٍّ في اللوحة هو أثرٌ للحوار بيني وبينها.”

ينحت العامري تفاصيله على الخشب، يحفر المساحات، ثم يترك الحبر يسري فوقها، كأنما يرسم الزمن نفسه، كأنّ اللوحة تستعيد نبضها مع كل طبعة.

عُمان في عيون الطباعة

رغم التجريد الذي يميّز أعماله، إلا أن روح عُمان تتجلى في كل قطعة يبدعها.

في تكويناته نجد البيوت القديمة، الأبواب الخشبية، الأسواق التقليدية، والمراكب التي تبحر نحو الأفق. ليست مجرد مشاهد، بل ذكريات منقوشة في الذاكرة الجماعية.


في أحد معارضه، وصف أحد النقاد أعماله قائلًا:

“سيف العامري لا يُعيد رسم عُمان، بل يعيد اكتشافها… يجعلها خفيفة كضوء الفجر، وحقيقية كلمسة يدٍ على الخشب.”


إرث الفن والمستقبل

اليوم، يُعد سيف العامري أحد أهم رواد الحفر والطباعة اليدوية في الخليج العربي، حيث ساهم في نشر هذا الفن، ونقل خبرته لجيلٍ جديدٍ من الفنانين الشباب.

حين سألته عن سر استمراريته، أجاب بابتسامةٍ هادئة:

“الفن ليس مهنة، بل أسلوب حياة… في كل مرة أبدأ لوحة جديدة، أشعر وكأنني أتعلم من الصفر.

" التجليّات الصوفية بين ثنايا الرصاص و الفحم "

“أنتَ لست قطرة في محيط، بل محيطٌ في قطرة” – هكذا يهمس الرومي في أذن الزمن، وكأنه يصف لوحات الفنان العُماني سيف العامري، الذي اختار اللونَ لغةً، والتجريدَ طريقًا، والروحَ بوصلته.

كان اللقاء في ركنٍ هادئ من مسقط، حيث تتلاقى الجبال مع البحر الممتد، و حيث ينسج العامري عوالمه الخاصة، لا يرسم ما يُرى، بل ما يُحَس. لوحاته ليست مجرد تكوينات لونية، بل أدعية مُعلّقة في الهواء، تُقرأ بالعين وتُرتّل في القلب.


حوارٌ مع الضوء

سألته، وهو يتأمل لوحةً تغمرها ظلال الفحم والأحمر:

– ما الذي تبحث عنه؟

أجاب كأنّه يحدث نفسه : “لستُ أبحث، بل أُصغي… أترك اللون يُحدثني، وأدع الخطوط تمشي وحدها نحو المجهول. في كل لوحة، أحاول أن أرى نفسي لأول مرة: دون قيد، دون صورة، فقط نيّة و محبة وحنين.”

جلال المعنى في غموض الشكل

يشبه سيف العامري في حضوره درويشًا خرج لتوّه من حلقة ذكر، مبللًا بالبصيرة. يقول: “أنا لا أشرح لوحاتي، لأن التفسير يُطفئ النور. كل من ينظر إليها، يرى انعكاسه. كما قال التبريزي: ما تراه فيّ ليس أنا، بل مرآتك أنت.”

في أعماله، لا نرى الجبال أو النخيل، ولا بيوت الطين أو مراكب البحر، بل نرى “الإحساس بها”، نرى الذاكرة وهي تتماهى مع اللون، نرى وطنًا داخليًا لا تُحدّه الجغرافيا.


رسائل بلا كلام

عندما سألته عن رسالته الفنية، أشار إلى لوحة معلّقة كغيمةٍ تسبح

همس لي: هذه ليست رسالة، بل سؤال.

الفن لا يُجيب، بل يوقظ الأسئلة النائمة فينا.”

في عالمه، كل لونٍ له صوت، وكل فراغٍ له معنى. الأحمر هو الحنين، الأزرق هو الغفران، والذهبي هو أثر الخطوة على طريقٍ لم يُسلك بعد.

عُمان كما لم تُرَ من قبل

رغم تجريد أعماله، تشعر أن سلطنة عمان تتنفس فيها من أعالي القمم إلى قاع البحار: بخورها، صمت جبالها، اتساع أفقها، وطيبة ناسها. هو لا يرسم الحياة في عُمان بل يشفّفها، يجعلها خفيفة كصلاة فجر، وحارّة كقلب أم، وصادقة كبسمة طفلة.


حين يسري النور في العتمة

“كن كالشمس تشرق حتى في أحلك اللحظات.”

بدأ العامري رحلته بين الأبيض والأسود، كأنما كان يرسم الليل بحثًا عن فجره، يتلمّس أسرار التباين، كما يبحث المتصوف عن النور في أعماق الظلمة. في تقنية الحفر والطباعة اليدوية، وجد نفسه يشتغل ليس فقط على المادة، بل على الجوهر، كما لو أن كل خط هو أثرُ حوار داخلي، وكل مساحة صامتة شهقة انتظارٍ للضوء.

وحين أضاف الألوان، لم تكن مجرد ألوان، بل تجلياتٍ جديدة للروح، كأنما أدرك أن العشق الإلهي ليس نقيض العتمة، بل انبثاقها في صورة جديدة.


المدينة كمعراجٍ للروح

“لا تبحث عن الحب خارجك، بل ابحث عنه في أعماقك، فهو موجود هناك منذ الأزل.”

في لوحات العامري، لا تجد أبنيةً ساكنة، بل مدنًا تتنفس، أبوابًا مواربة تنتظر من يفتحها، نوافذ تُطلّ على ذكريات غير مكتملة. مطرح، السيب، نزوى… ليست مجرد أماكن، بل مدن الروح، حيث لكل حجرٍ حكايته، ولكل ظلٍّ حنينٌ إلى الزمن الذي مضى لكنه لم يمت.

في معرضه “تناغم”، لم يكن الأمر مجرد تجسيدٍ معماري، بل حوارًا بين القديم والجديد، بين الزمن الذي يحاول أن يظل ساكنًا، والفن الذي يعيد إليه حركته الخفية. وكما يقول الرومي: “عندما تنكسر، لا تنسَ أن الضوء يدخل من الشقوق.” وهكذا، في كل صدعٍ في الجدار، في كل نافذة مفتوحة، هناك بصيصُ ضوءٍ يسري، يوقظ الذاكرة، ويعيد للأمكنة روحها الغائبة.



اللوحة كحالة وجدٍ صوفي

“لا تسأل أين الطريق، بل كن الطريق.”

لوحة العامري ليست صورةً ساكنة، بل رقصةُ نورٍ وظل، سفرٌ بين ما هو كامن وما هو ظاهر. كل خطٍّ فيها يحمل إيقاعًا، كأنما الريشة تترجم أنغامًا لم تُعزف بعد. هناك موسيقى صامتة في تفاصيل أعماله، تمامًا كما كان شمس التبريزي يهمس للرومي: “الموسيقى ليست فيما يُسمع، بل في ما يستيقظ في القلب عند سماعها.”

وفي تفاصيل خطوطه، ثمة خشوعٌ يشبه الصمت الذي يسبق البوح، كأنما اللوحة صلاةٌ لا تحتاج إلى كلمات، بل إلى عينٍ تتأمل، وقلبٍ ينصت.


النقش على جدار الزمن

“العشق هو ذلك الجسر الذي يجعلك تمر من الدنيوي إلى المقدّس.”

من الحفر على الورق إلى الحفر في الذاكرة البصرية للوطن، امتدت يد العامري لتترك أثرها في التاريخ، حين صمّم شعار العيد الوطني الأربعين، وحين وُضعت أعماله على العملة النقدية العُمانية. لم يكن مجرد تصميم، بل كان ختمًا روحيًا على لحظةٍ عابرة، نقشًا في قلب الزمن، تمامًا كما تترك الكلمة أثرها في روح العاشق، وكما يترك الضوء بصمته في العتمة.


سيف العامري.. الفن كطريقٍ إلى الحقيقة

“ما تبحث عنه، يبحث عنك.”


لا يرسم العامري بحثًا عن الجمال الظاهري، بل عن الجمال الذي يسكن بين التفاصيل، عن السرّ الذي يختبئ بين الخطوط، عن الحقيقة التي لا تراها إلا القلوب. إنه كالصوفي الذي ينحت في روحه كل يوم ليقترب أكثر من جوهر الوجود.


وفي كل لوحةٍ يخلقها، هناك سفرٌ جديد، هناك دعوةٌ للتأمل، هناك ضوءٌ خفي يلوّح للمتأمل قائلاً: “اقترب… فالحقيقة تسكن في الصمت، والضوء يسري في أعمق الظلال.”


في الختام…و الوصف يطول

“في الفن كما في العشق، لا تُمسك الشيء، بل تدعه يمرّ فيك”… هذا ما تعلمته من جلسةٍ واحدة مع سيف العامري، الذي لا يرسم ليُبهر، بل ليُبصّر. وكأنه يرسم ليقول لنا – كما قال الرومي: “ارحل عن الظاهر، وادخل في القلب، فهناك تسكن الحقيقة.”

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page