عائد من قريتي.. محبطا!


وكأنها زيارتي الأولى لقرية في كوكب آخر، وليس المعصرة/بلقاس.. قريتي التي ولدت فيها وأمضيت بها سنوات الطفولة والصبا.. أليس هذا حالها دائمًا؟! فلِم ارتبِكتْ كل دواخلي هذه المرة وزفيرأهلها.. أهلي.. يلفحني بالعادي الذي ألفته عبر 60 عامًا؟ لِماذا أغادرها عقب زيارتي التي استغرقت بضعة أيام بروح تبكي في صمت، لماذا أغادرها وكل قواميسي خلت من ملايين الكلمات، فلا يتبقى سوى عبارة سعد زغلول الشهيرة: مفيش فايدة ؟!! وبداية الرحلة صدمة.. سائق توكتوك ركبتُ معه لينقلني من مدينة بلقاس إلى قريتي المعصرة.. وكعادتي مع هؤلاء البسطاء الذين يمضون يومهم قتالًا من أجل لقمة العيش.. سألته عن أحواله.. كيف يدبر أموره المعيشية؟ وحين أخبرني أنه أمضى 15 سنة في السعودية.. شعرتُ بالارتياح لأن يقينًا- بعدكل هذه السنوات في الخليج لابد وأن يكون ميسور الحال.. لكن لماذا التوكتوك؟.. ألا تتيح له مدخراته كل هذه السنوات مشروعًا أفضل؟! يداهمني: - كل اللي حوشته في السعودية صرفته على بنتي ! - مريضة ؟ - عليها جن.. وماسيبتش شيخ إلا ما خبطت على بابه.. وآخرهم الشيخ أحمد عبده بتاع قناة الفتح..!! هؤلاء الدجالون يستولون على قوت المصريين!.. ما يقرب من 30 مليار جنيه يهدرها المواطن البائس على مباخر هؤلاء.. ليس إهدار أموالنا فقط.. بل عرضنا.. كرامتنا.. شرفنا.. كثير من هؤلاء الدجالين يستغلون الهالة المزيفة التي يحيطون أنفسهم بها لاغتصاب من يطرقن أبوابهم من النساء .. ومع ذلك لايتعظ أحد.. دومًا نطرق بابهم!! لكن إن كان ثمة خللا ثقافيا في دماغ أكثر من نصف المصريين " 63% من الشعب المصري يلوذ بهؤلاء الدجالين لحل مشاكلهم " فأين الجهات الأمنية.. لماذا.. لا تلاحق أحمد عبده وكل أحمد عبده.. لماذا لاتغلق قناة الفتح وكل قنوات الشعوذة التي تبث عيني عينك لاصطياد سائق التوكتوك التعيس؟! ليلتها زرت شقيقتي.. حكيت لها بألم قصة سائق التوكتوك.. فوجئت بزوج ابنتها يقفز من مقعده بمجرد أن سمع اسم أحد الدجالين صائحًا.. وكأنني أتيت على السيرة العطرة لنبي: دا شيخ مبروك.. وفي أيده الشفا.. نظرت إليه في بلاهة.. ولاأصدق ما أسمع.. زوج ابنة شقيقتي.. يحمل شهادة جامعية..أي أمضى في صفوف المدارس والجامعة 16 سنة.. ويكاد يسجد لدجال.. بل يسبغ عليه أجل وأعظم ألقابنا الدينية.. شيخ.. حين تجاوزت ذهولي.. حاولت أن أشرح له.. لكل الجلوس أنه نصاب.. وأنه عبر التاريخ لم يثبت أن الجن تلبس إنسانًا.. فانفعل بدوره وصاح: بس الجن ورد في القرآن! ولاأجد ما أرد به سوى ما أقوله دائمًا: أنا.. محمد القصبي مستعد أن أضع نفسي رهن أي من هؤلاء الدجالين.. وأتحداه أن يؤثر في شعرة مني.. بأصدقائه من الجن..! فعلتها مرارًا.. مع دجالين مشابهين.. في مصر وخارج مصر!! ودومًا تنتهي تجاربي معهم بأنهم ببساطة... محتالون..!!!! ألهذا عدت من قريتي بائسًا؟ تشعب الحديث إلى قضايا شتى.. لكن ثمة رابطًا يجمعها أن الدماغ الجمعي المصري يعاني من اختلالات ثقافية هائلة.. دماغ المصريين في حاجة إلى إعادة هيكلة! لتحكي سيدة تمتهن مهنة التعليم -تأييدًا لما أقول -عن واقعة أوجعتها خلال مراقبتها في إحدى لجان امتحانات التعليم الفني.. نهض طالب من مقعده ونزع شريحة من الإطار الألومينتال لزجاج النافذة.. لامته بهدوء وحذر وهي مشطورة عنه ببضع خطوات: ليه ياابني بتعمل كده؟ فقال وهو يخطو نحو مقعده ببرود: مفيش معايا مسطرة.. هسطر بأيه!! تطلعت المراقبة إلى زميلتها التي كانت تراقب ما يجري أيضًا ببرود ..فقالت لها الزميلة: واحنا مالنا.. هو يعني شباكنا!! - أمال شباك مين؟ ردت الزميلة ببرود: - شباك الحكومة! أهذا سبب مغادرتي القرية مذهولًا؟ صباح اليوم التالي مررتُ على رئيس مجلس القرية الجديد جمال بدوي.. للتعارف والحديث عن مخزون القرية من علل.. أكوام الزبالة في الشوارع.. مخالفات البناء، روعني حديث سمعته من أحدهم في مكتبه عن نزاع بين مواطنيْن فوق العادة.. مدير مدرسة وواعظ.. تربطهما غير وحدة الرسالة- رسالة نشر قيم التنوير بين الناس..غير رابط تلك الرسالة السامية.. ثمة رابط آخر.. الجيرة.. جيران في شارع واحد.. أحدهما تقدم بشكوى إلى مجلس القرية ضد الآخر.. الآخر- طبقًا لما جاء في الشكوى- ألقى بأكوام من الرمل والزلط أمام بيته، فأعاق حركة السير.. وشوارع القرية ضيقة.. ليس لاعوجاج في التخطيط.. بل لخلل في الدماغ.. بالكاد.. بطلوع الروح.. يتنازل كل جار عن مترين أو ثلاثة أمتار من قطعة الأرض التي يبني عليها بيته.. ليستقيم الشارع.. لكنه يشعر في داخله بمرار الهزيمة..القهر.. كيف يتنازل عن مترين أوثلاث من أرضه!! فيشرع في الانتقام.. المساحة التي يقيم عليها درجات السلم أمام باب بيته.. يقتطعها من الشارع ..لذا تضيق شوارع قريتي.. كل شوارع قرى مصر.. بضيق أفق أبنائها.. وأبناؤها خريجو جامعات.. وعاظ ومدرسون ومحامون وأطباء و.. ليس لضآلة الأرض التي يملكون.. بل لضآلة الرؤية المستنيرة! ويعلق مضيفي رئيس مجلس القرية في مرار: الغريب أنك لو دخلت منزل أي منهم ستجد مساحات مهدرة في الداخل، لو أحسن استخدامها كانت تكفي ليس لبناء درجات السلم على مايملك من أرض أمام بيته، بل وشرفة وجنينة و... أتذكر جدودي الأميين.. كل جدودنا.. إن أراد أي منهم بناء منزل كان أهم مكوناته التي يحرص عليها " فراندة" فسيحة تطل على الشارع.. تعلو سورها زهريات الورود بجوار الأواني الفخارية المملوءة بالماء البارد المتاح لكل عابر سبيل. هكذا شيد جدودنا الأميون بيوتهم.. أما بيوت الأبناء والأحفاد المتعلمون.. الوعاظ والمدرسون والأطباء والمحامين والمهندسين.. فهي زنازين كئيبة! في الليلة التالية كنت عائدًا إلى منزلي بعد منتصف الليل برفقة قريب لي.. فإذا بصراخ من أحد المنازل يداهمنا.. إمرأة تستغيث.. تسمرت مكاني.. أدركت ما يحدث من توسلات وصراخ المرأة ..أحدهم ينهال عليها ضربًا.. سبابه الموجه لها يخترق أذني كطلقات الرصاص.. طلبت من قريبي أن نطرق الباب لإنقاذ المرأة.. فرد مستنكرًا: واحد بيضرب مراته.. واحنا مالنا!!! أستغيث بالمارة في الشارة.. لم تختلف ردودهم كثيرًا عما قاله قريبي.. ينفرج باب أحد الجيران.. يلقي التحية.. حكيت له عما يحدث.. فقال بهدوء: هو من يوم ما اتجوزها مابطلش ضرب فيها!! بمن أستغيث؟! صباح اليوم التالي طرقت باب واعظ المسجد القريب.. حكيت له ماحدث.. توسلت له أن يكون هذا مثار خطبة الجمعة القادمة.. والعديد من الجمع القادمة ذكرته بحديث رسولنا الكريم "استوصوا بالنساء خيرًا.." فبدا التأثر الشديد على وجه شيخي وقال في ألم: لاحول ولاقوة إلا بالله.. الناس حصل لها أيه؟!! وكثيرًا ما أطرق أبواب من أعرف ومن لا أعرف من مشايخنا، وألح.. أتوسل: أرجوكم.. ركزوا في خطبكم على السلوك..على الأخلاق .. أخشى القول: لاأحد يستجيب!!! أهذا ماأزعجني في قريتي؟ في الليلة التالية انتشر في مجالس القرية وعبر مواقع الانترنت.. بل وعبر بعض المواقع الصحفية الخبر الفاجعة.. أحدهم في ضواحي قريتي انهال –كالعادة- على زوجته "غادة " ضربًا.. كان ذلك بحضور والده وبناته الثلاث.. إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة!! ما داهمنا به أهل الزوجة وجيرانها أكثر مأساوية من القتل نفسه.."غادة" تعاني من المرض منذ سنوات.. وأحيانًا تصاب بنوبة إغماء.. لم يفكر الزوج مرة أن يصحبها إلى طبيب.. وكانت ترفض توسلات أهلها لأن يصحبوها إلى الطبيب خوفًا من أن يصل الأمر إليه فيضربها، وكل مرة يغمى عليها ينهال عليها ضربًا لتستعيد وعيها!! كانت ترفض أيضا توسلات أهلها بالانفصال عنه حتى لايؤثر ذلك على أطفالها الثلاثة..! أحدهم.. قال لي ملقيًا الضوء على مالاأعرفه: - مش جديد عليه.. الراجل ده قبل كده انهال بالضرب على حماره حتى مات!! وأنا اهم بالرحيل اتصل بي رئيس التحرير.. يسألني إن كنت قد انتهيت من إعداد محاور الندوة التي اقترحت بتنظيمها لرقمنة الدولة المصرية.. وتحديد الهدف من هذا المشروع.. أجبت: - أيوه.. دا واحد من أهم مشروعاتنا القومية.. شهادة الوفاة قبل كده كان بيستغرق استخراجها أيام.. الحمد لله.. مع مشروع الرقمنة.. خلال دقائق تم استخراج شهادة وفاة "غادة"!!!!