الاستعجال (2 - 2)


تابع أسباب الاستعجال

4- واقع الأعداء: وقد يكون واقع الأعداء هو السبب في الاستعجال، ذلك أنه ما يمر يوم الآن إلا وأعداء الله يحكمون القبضة، ويمسكون بزمام العالم الإسلامي، ويلاحقون العمل الإسلامي في كل مكان لإسكات كل صوت حر نزيه. وحسبنا أن إسرائيل كانت بالأمس فكرة في الأذهان، فإذا بها اليوم واقع يحكم القبضة على جزء غال عزيز من ديار الإسلام هو فلسطين، وينطلق منه إلى لبنان، وسائر بلدان العالم العربي ليحقق حلم اليهود: “ إسرائيل من النيل إلى الفرات”! فلعل ذلك مما يحمل بعض العاملين على الاستعجال، قبل أن يتفاقم الخطر، ويصعب الخلاص.

5- الجهل بأساليب الأعداء: وقد يكون الجهل بأساليب الأعداء هو السبب في الاستعجال، وذلك أن أعداء الله لهم أساليبهم الخبيثة والمتنوعة، في الوصول إلى قلب العالم الإسلامي، وإحكام القبضة عليه. وأخطر هذه الوسائل، السيطرة من الداخل ،فقد لجأ أعداء الله لمثل هذا الأسلوب، بعد أن جربوا زمانا طويلا، ومرات عديدة، أسلوب المواجهة الصريحة السافرة، ورأوا أنه لن يغني عنهم من الله شيئا، وأنه يحمل المسلمين ـ حتى المفرطين والمستهترين منهم ـ على التصدي وبذل الغالي والرخيص، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. فلعل الجهل بمثل هذا الأسلوب وغيره من الكيد يكون سببا من الأسباب التي توقع في الاستعجال.

6- شيوع المنكرات مع الجهل بأسلوب تغييرها: وقد يكون شيوع المنكرات، مع الجهل بأسلوب تغييرها، هو السبب في الاستعجال، ذلك أن الإنسان لا يتحرك حركة الآن إلا وقد أحاطت به المنكرات، ولفته من كل جانب. وواجب المسلم حين يرى ذلك أن يعمل على تغيير المنكر وإزالته، ما في ذلك شك، لئلا تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد. قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز). وقال صلى الله عليه وسلم: “ من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”، “ مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم و ما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا” بيد أنه ليس كل منكر تجب إزالته أو تغييره على الفور بدون مراعاة للمصالح والمفاسد. وإنما ذلك مشروط بألا يؤدي إلى منكر أكبر منه، فإن أدى إلى منكر أكبر منه، وجب التوقف ، مع الكراهية القلبية له، ومع مقاطعته ومع البحث عن أنجح الوسائل لإزالته والأخذ بها، ومع العزم الصادق على الوقوف في أول الصف حين تتاح فرصة التغيير. وفي السنة والسيرة النبوية شواهد على ذلك: فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب، ولا يُقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة، في العام الثامن من الهجرة؛ أي أنها بقيت منذ بُعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة؛ ليقينه صلى الله عليه وسلم بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم، قبل أن تحطم من داخل النفوس، لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع وأشنع، فيعظم الإثم، ويتفاقم الضرر، لذلك تركها، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهر القلوب، حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة، ويزيل الأصنام، مرددا: ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). وها هو صلى الله عليه و سلم يخاطب أم المؤمنين عائشة قائلا: “ ألم ترَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم”! فقلت : يا رسول الله: ألا تردها على قواعد إبراهيم، قال: “ لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت”. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا توقف في شأن تجديد الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم؛ خوفا من أن يؤدي ذلك إلى منكر أكبر، وهو الفرقة والشقاق، بدليل قوله في رواية أخرى:”.... ولولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم...”. بل إن المسلم حين يسكت عن منكر؛ خوفا من أن يؤدي إلى منكر أكبر مع الرفض القلبي والمقاطعة، ومع البحث عن أفضل السبل للتغيير، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توان ولا تباطؤ،لا يكون آثما بذلك، وصدق الله الذي يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ). فإذا نسي العامل أو الداعية فقه أسلوب تغيير المنكر وإزالته، وقع ـ لا محالة ـ في الاستعجال لظنه، أو لتصوره، أن الأمر يجب تنفيذه فورا، وأنه آثم ومذنب إن لم يقم بذلك.

8- عدم وجود برنامج أو منهاج يمتص الطاقات، ويخفف من حدتها وغلوائها: وقد يكون عدم وجود برنامج أو منهاج يمتص الطاقات ويخفف من حدتها وغلوائها هو السبب في الاستعجال ، ذلك أن نفس الإنسان التي بين جنبيه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل .

ولعل ذلك هو السر في أن الإسلام غمر المسلم ببرنامج عمل في اليوم و الليلة ، وفي الأسبوع وفي الشهر وفي السنة وفي العمر كله بحيث إذا حافظ عليه كانت خطواته دقيقة وجهوده مثمرة.

ولعله السر أيضاً في تشديد الإسلام على الأئمة أن يستفرغوا كل ما في وسعهم وكل ما في طاقتهم لاستنباط ما يملأ حياة المسلمين بالعمل الجاد المثمر الخالي من الضرر والشر وإلا حرموا الجنة.

العلامات: