نهضة الأمة العربية.. لماذا وكيف؟


يحلو للبعض - وهم كثيرون – في تفسيرهم للتراجع الحضاري الإسلامي الترويج لـ(نظرية المؤامرة) لأهداف سياسية لا تخرج عن كونها (اصطياد في الماء العكر) أو مؤامرة لتقويض الأفكار الإصلاحية، والتقدمية - التي يأمل الوطنيون في ترصيندعائمها - لصالح فئة (ما) تختلق قضايا ومفاهيم تروج لها إعلاميا مما يعوق مسيرة الإصلاح، وبناء دولة المؤسسات لتكون المحرّك الفاعل في دعم مشاريع التنمية، ورفد مسيرة (دولة المؤسسات والقانون) ومن تلك القضايا: (العلمانية في مواجهة الإسلام) . والفكرة المنطقية، والحقيقة/الفريضة الغائبة عن وعي شبابنا أنه ليس ثمة صراع بين العلمانية كعقيدة سياسية وأيديولوجية فكرية والإسلام بوصفه دين سماوي أرسى حزمة من القواعد العامة ربطت بين الدين والدنيا والحاكم والمحكوم. غير أنّ (الشعور بالدونية) المقرونة بـ(جلد الذات) أضحى حقيقة متأصلة في واقع الكثير من شباب الأمة ومترسخة في عقول شرائح كبرى من الأجيال الجديدة لتعرضهم لموجات عارمة من غسيل الأدمغة وتزييف الوعي عبر الآلة الإعلامية الجبارة والتي تعمل في كثير من المجتمعات الإسلامية.

لكن السؤال الأساس الذي يتوجب إثارته الآن هو: كيف يتحوّل العالم الإسلامي النامي من صيغة (المفعول به) إلى (الفاعل)؟ كيف نتجاوز فكرة التبعية المطلقة من أمم غرقت في (الاستهلاكية المفرطة) إلى فكرة الإبداع والإنتاجية، والابتكار؟ ويمكن القول: إن الهاجس الغالب والذي يضج مضاجع الوطنيين والعقلانيين هو التفكير في سؤال النهضة؛ مع الاختلاف في كيفيات طرح السؤال والإجابة عنه، بسبب تعدد واختلاف المداخل المنهجية التي توسل بها أصحاب تلك المشاريع.

إنّ بقاء الأمم الإسلامية دائرة في حلقة مفرغة من (جلد الذات) لا تراوح (مربع نظرية المؤامرة) تسير بجسدها إلى الأمام وعيونها خلف رأسها أشبه بـ(بخطوة واقفة)، وانغماس في (الغرائزية المفرطة) دفع الكثير من المستشرقين إلى تأطير الشخصية العربية والإسلامية في قالب (القول)، وعجزه عن الفعل الإيجابي. فهذا "جيب" يرى أن تقنين العقل العربي لم يأت نتيجة لتطور منتجاته، أو من خلال العمل الاجتماعي المنتج، لأن الازدهار الحضاري العربي تحقق بفعل الاقتصاد الريعي، لقد بدأ العقل العربي بتحديد البيان وطريقة عمله، وكان ذلك في اللغة والنحو والفقه والكلام، ولم يكن في إمكانه أن يتقدم أكثر مما فعل.

وإذا كان الفرنسي " فيستوجيير" و"محمد عابد الجابري" يلتقيان في تفسيرهم بـ(تراجع العقلانية اليونانية والعربية) وإرجاعه إلى اتفاق العقليتين في (مقاومة التغيير واحتقار التجريب)، والاكتفاء بالنصوص واقتصارهم على استنباط القواعد والأحكام منها، وقصر البحث في العلوم العربية الإسلامية على خدمة الدين لا الحياة، وتقزيم دراسة الطبيعة واكتشاف قوانينها، والنظر إليها باعتبارها (هبة إلهية مسيَّرة بفعل خالقها ولا دخل للإنسان في صيرورتها) ومن ثم فقد تمّ الترويج لمقولات الانغلاقيين والدوجمائيين الداعية إلى (لا ضرورة لمعرفة قوانين الطبيعة)، وهكذا انتهى كل شيء في مرحلة التدوين، وانغلقت الدائرة وأصبحت الحركة فيها تكرس التكرار وتلتهم ما تنتج، فصار الزمن فيها زمنا مكرورا، ومستعادًا، بل ميتا.

وللخروج من حلبة التساؤلات أعلاه منهجيا لا نحتاج إلى مدخل سياسي أو اقتصادي وإنما نحن في حالة جوع معرفي نهضوي لن يسدّه إلا ابتداع رؤية ابستمولوجية وقناعة علمية ترى (أنه لا نهضة دون تحصيل آلة إنتاجها أي العقل الناهض)، ومن ثَمّ شمّر العديد من المفكرين للبحث عن كوّة للخروج من هذا المأزق المخزي ومنهم (أكرم البني) الذي قال بأن استنهاض العقل العربي ممكن في هذا الظرف الزمني والإشكالي من خلال العمل على أربعة محاور تعمل جنبا إلى جنب وفي اتجاه متواز وهي:

أولا - دفع المسألة الشورية إلى مرتبة الأولوية التي تستحقها وما ينجم عنها من تداعيات على مستوى أداء المثقف والفعل المعرفي في السياسة والمجتمع.

ثانيًا- تصحيح علاقة المثقف مع محيطه، ولنقل إعادة الاعتبار لموقعه المتميز في المجتمع وعمق صلاته مع الناس. فإذا تأملنا هذه العلاقة في مجتمعاتنا العربية نلاحظ اليوم أن ثمة انفصالا واسعا بين المثقف والجمهور العادي أو بعبارة أخرى بين منتج الثقافة ومستهلكها، ليغدو الحال أشبه بمثقف نخبوي محدود التواصل مع البشر وضعيف التفاعل معهم.

أولا - فك الارتباط المرضي في علاقة المثقف بالسياسة، ولا يقصد هنا القطيعة بين حقلي النشاط الثقافي والسياسي بل تحديد التخوم بدقة ووضوح وقراءة وجوه التمفصل والاختلاف، بما يؤدي إلى تحرير المثقف من ماضٍ سيطرت فيه العوامل والأهداف السياسية على مسارات حياته وإنتاجه المعرفي، وخاصة ذلك الدور المدمر الذي لعبته السلطات السياسية -ترغيبا وتهديدا- لإخضاع المثقفين واحتوائهم أوتهميشهم وتغييبهم. وبديهي أن السلطة تحتاج في تثبيت ركائزها إلى عملية إنتاج فكرية داعمة، وتالياً إلى مثقف يصوغ لها أيدولوجيتها من أجل تعضيد النظام الذي تقوده وضمان تأييد الناس لها وقبولهم بها.

ثانياً- تحرير المثقف من سيطرة الوعي الأيدولوجي، سواء أكان قومياً أم ليبرالياًأم دينياً إلخ ، فبعد كل التحولات التي حصلت في العالم المعاصر خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وفشل الكثير من الاختيارات الأيدولوجية والفلسفات الإرادوية والحتمية، لم يعد بإمكاننا أن نواصل التفكير بالآليات الذهنية نفسها ونتصور وجود جماعة بشرية قادرة - بمرجعية فكرية مستنسخة أو مقتبسة - على إنجاز الأهداف التاريخية وتجاوز إمكانيات الواقع وملموسية الحدث في المكان والزمان.إن الاعتراف بانحسار الأيدولوجية كخيار معرفي ونمط حياة والإقرار بلا جدوى خوض الصراعات في مستوى الأفكار والنصوص لإثبات صحة هذا الموقف أو ذاك، يعني بالضرورة تقدم مبدأ مقارعة الحجة بالحجة والوقائع بالوقائع، وإتاحة الفرصة لنشر العقلانية وتوظيف المنهج العلمي وتطبيقاته العملية من أجل تفسير الواقع الحي وتحليله كظواهر ومشكلات محددة بعيداً عن تأثير العوامل الذاتية والتحيز.فليس من مثقف قادر أن يبدع نقدياً إذا ما استمر في الارتهان لرؤية أيدولوجية بما فيها من ثوابت معرفية وتحصينات فكرية والتزامات مسبقة بصور وحلول جاهزة. وعندما تكون الأزمات التاريخية شاملة ومزمنة ومتعددة الأبعاد، ينبغي التسلح أولاً وقبل كل شيء بطرائق الفكر العلمي النقدي والمفتوح على مختلف التجارب التاريخية، ودونه لا نتمكن من قراءة ناجحة للوقائع في تشابكها وتعقدها واختيار الوسائل الكفيلة بمعالجتها، ما يمهد لبناء رؤية جديدة ذات بعد نهضوي تلتقي مع إبداعات الحضارة الإنسانية وتتفهم الاختلافات القائمة بين الناس وما يترتب عليها من اجتهادات ومواقف، وتتعلم التعايش معها دون أن تسعى إلى تهميشها أو إلغائها.

الوسوم: