الشاعر محمود أبوالوفا بُترتْ ساقُه فكتبَ نشيدا لكرة القدم


يبدو أن الشاعر محمود أبوالوفا كتب قصيدته أو نشيده عن كرة القدم، عندما تأهلت مصر لمونديال كأس العالم لأول مرة عام 1934. فلم يجد الشاعر الكبير حرجا في أن يكتب عن كرة القدم، ويؤازر فريق بلاده بنشيد جميل يتغنى به الصغار والكبار، ويبعث في لاعبي الفريق القوة والحماس، ويذكرهم بمجد بلادهم والشرف الذي ينتظرهم، وهم يمثلون بلادهم في إيطاليا التي استضافت بطولة كأس العالم في دورتها الثانية عام 1934.

والشاعر أبوالوفا ـ الذي غنى له الموسيقار محمد عبدالوهاب قصيدة رائعة بعنوان "عندما يأتي المساء" في فيلم "يحيا الحب" عام 1943 ـ عمل بائع فول مدمس، وبائع سجائر، وسمسار أراض زراعية، ومتعهد حفلات، واشترك في ملكية مقهى بلدي في شارع عبدالخالق ثروت بالقاهرة مع قهوجي، واستطاع أن يجعل من المقهى صالونا من صالونات الأدب.

لم يكمل محمود أبوالوفا ـ الذي ولد في محافظة الدقهلية بمصر عام 1900 ـ تعليمه بعد أن التحق بمعهد دمياط الديني، ولكنه كان شاعرا موهوبا، ثقّف نفسه بنفسه، وقرأ الشعر العربي، واتصل بشعراء وأدباء عصره من أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وغيرهم.

وكانت نتيجة هذا الاتصال بأدباء عصره أن انضم إلى أسرة تحرير مجلة "المقتطف" حيث أشرف على باب "مكتبة المقتطف"، كما عمل مذيعًا في الإذاعة المصرية، وكتب شعرًا وأناشيد دينية ووطنية للأطفال، ونشر في الصحف الكبيرة. كما كتب بعض القصائد التي تتحدث بلسان الحيوان، وتعطي الحكمة والقيم العليا. وحاول أن يعطي العربي الصغير موضوعات أقرب إلى إحساسه وحياته الخاصة.

ومن العجيب أن هذا الشاعر الذي تغنَّى بكرة القدم، بُترتْ ساقُه في العاشرة من عمره إثر عملية جراحية فاشلة.

يقول الشاعر محمود أبوالوفا في نشيد "كرة القدم":

كرةُ القدم كرةُ القدمِ ** هي لعبتُنا منذُ القدمِ

يا ابن النيلِ يا ابن الهرمِ ** العبْ العبْ كرةَ القدمِ

للكرة نداءٌ يُشجينا ** ويطيرُ بنا صوبَ الهدف

وكأنَّ صداهُ ينادينا ** سيروا سيروا نحو الشرفِ

في العالم نحن لنهضتنا ** أصحابُ الرايةِ والعلمِ

ومتى كنَّا في ساحتِها ** كُنَّا الحرَّاس على القيمِ

جاءت الموسيقى السريعة والمتدفقة لهذه القصيدة الكروية من بحر شعري اسمه بحر "المتدارك"، تتناسب إيقاعاته السريعة مع إيقاعات الجري في الملعب، وتبادل الكرة، ومحاولة تسديدها في مرمى الخصم، لينال الفريق شرف النصر في بطولة كأس العالم (سيروا سيروا نحو الشرف).

هذا الإحساس بأهمية النصر ونيل الشرف، ربما يعوض ما ينقص الشاعر محمود أبوالوفا في حياته، حيث نشأ يتيم الأب، وعاش حياة فقيرة وبائسة وغير مستقرة، ولأنه صاحب موهبة شعرية كبيرة فقد شعر بالظلم وعدم التقدير سواء من الناس، أو من شعراء عصره، فقال في إحدى قصائده:

أحبُّ أضحكُ للدنيا فيمنعني ** أن عاقبتني على بعض ابتساماتي

ومما يُروى عن حكاية له مع الشاعر أحمد شوقي، أن أُعلن عن مسابقة بين الشعراء لاختيار قصيدة يلقيها الشاعر الفائز في حفل بدار الأوبرا، يُقام بمناسبة اختيار شوقي أميرا للشعراء عام 1927، وكان من بين أعضاء لجنة التحكيم شاعر النيل حافظ إبراهيم، وشاعر القطرين خليل مطران. وفاز شاعرنا محمود أبوالوفا، وذهب إلى دار الأوبرا مرتديا جلبابه، ومعطفه، وعكازه تحت إبطه وعصاه في يده، ورآه أحمد شوقي على هذه الصورة، فرفض أن يقف هذا الرجل على خشبة مسرح الأوبرا في يوم تتويجه أميرا للشعراء.

وتدخل الموسيقار محمد عبدالوهاب لدى شوقي فسمح للشاعر أبوالوفا بإلقاء قصيدته، وانتزع محمود أبو الوفا الإعجاب والتصفيق ليلتها، وبزغ نجمه، وعلا قدره في هذا اليوم، حتى أن شوقي نفسه كتب عنه قصيدة رائعة من أبياتها:

البلبلُ الغردُ الذي هزَّ الربى ** وشجى الغصونَ وحرَّكَ الأوراقَا

في القيدِ ممتنعُ الخطى وخيالُه ** يروي البلادَ وينشرُ الآفاقَا

سباقُ غاياتِ البيانِ جَرَى بلا ** ساقٍ فكيفَ إذا استردَّ السَّاقَا؟!

ويشير شوقي إلى القيد الذي يقيد الشاعر أبوالوفا في مشيه بسبب ساقه المبتورة، ولكنه يملك الخيال الذي يروي البلاد، وكأنه النيل الذي يجري، وأن سباق البيان (أي السباق في إظهار جمال اللغة العربية وحسن معانيها وألفاظها وبديعها، وأيضا سباق الشعراء في تكريم شوقي) جرى بلا ساق، فكيف يكون هذا البيان إذا استرد الساق، وفي هذا كناية عن الشاعر الذي فقد ساقه وأتى بكل هذا الإبداع الجميل، فماذا الحال لو كانت ساقه سليمة، وخطاه مستقيمة؟

لا شك أن أمير الشعراء أحمد شوقي ندم على ما فعله، وأحسَّ بخطئه عندما رفض أن يعتلى أبوالوفا مسرح الأوبرا لإلقاء قصيدته، فكتب هذه القصيدة اعتذارا منه للشاعر، واحتفالا به وبموهبته الكبيرة، ومن ثم عهد شوقي إلى محمود أبو الوفا بالإشراف على طبع الجزء الثالث من ديوان أحمد شوقي المسمى "الشوقيات".

وقد أرسلت الحكومة المصرية الشاعر محمود أبو الوفا إلى باريس لتُركَّب له ساقٌ صناعية، فعاد من أوروبا يرتدي الساق الصناعية والبدلة الإفرنجية، ولكنه سرعان ما خلع البدلة، وعاد إلى ارتداء الجلباب والمعطف، بل خلع الساق أيضا، وعاد إلى استخدام العكاز والعصا، وعمل مصححا لغويا في إحدى المطابع بأجر زهيد.

ولكن الموهبة الأصيلة تفرض نفسها دائما، فيقلده الرئيس جمال عبدالناصر وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى.

وفي آخر أيام حياة الشاعر يقرر الرئيس محمد أنور السادات تكريمه فيمنحه شقة بها تليفون، بالإضافة إلى جائزة أكاديمية الفنون، وقيمتها ألف جنيه، ولكنه كان قد فقد نور عينيه، فأقام في الشقة أياما، ومات في 26 يناير من عام 1979 قبل أن يتسلم الألف جنيه.