الناقد الإلكتروني يقول الكلمة النهائية


يفيد برنامج الناقد الإلكتروني المقترح في اكتشاف السرقات الأدبية، وفي الكشف عن علاقة النص الأدبي بغيره من الأعمال الأخرى التي سبقته، أو المعاصرة له، فإذا كان سيناريو فيلم "النوم في العسل" للسيناريست وحيد حامد ـ على سبيل المثال ـ مأخوذا من رواية "وقائع حارة الزعفراني" لجمال الغيطاني، وإذا كانت قصيدة نزار قباني "مع جريدة" مأخوذة من قصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير، فإن برنامج الناقد الإلكتروني من الممكن بسهولة بعد عرض سيناريو الفيلم ورواية الغيطاني عليه، وبعد عرض النص العربي لقصيدة نزار والنص الفرنسي لقصيدة بريفير أن يقول كلمته بطريقة محايدة تماما، وبدون أدنى مجاملة أو هوى أو مصلحة شخصية، وقد يكتشف البرنامج أن الغيطاني أخذ فكرة روايته من نص آخر، سواء كان عربيا أو أجنبيا، وقد يكتشف أيضا أن بريفير أخذ فكرة قصيدته من شاعر آخر معاصر له سواء أكان فرنسيا أو من جنسية أخرى، وهكذا يقول الناقد الإلكتروني كلمته النهائية التي لا تقبل الطعن أو التزوير.

إن هذا البرنامج من الممكن أن يفيد عملية البحث العلمي، ويفيد الحركة النقدية في العالم كله إفادة عظيمة، لذا فإنني أطالب أصدقاءنا المبرمجين أن ينشطوا في هذا الاتجاه الذي سيكون له أبلغ الأثر في إيقاف علمية السطو الأدبي على جهود الآخرين، وبخاصة في مجال الرسائل العلمية من ماجستير ودكتوراه حيث لوحظ في العقود الأخيرة ارتفاع نسبة سرقة الرسائل العلمية والأبحاث الأدبية.

أيضا من الممكن لبرنامج الناقد الإلكتروني أن يحدد مستوى العمل الإبداعي المرسل للناقد (البشري) عبر البريد الإلكتروني، فبالتأكيد هناك حد أدنى لجودة العمل الأدبي أو الفني، وبالتأكيد هناك حدود فاصلة بين كل جنس أدبي وآخر. ومهما بلغت درجة تأثر الآداب والفنون ببعضها البعض، أو تداخلها مع بعضها البعض، فيما يسمى بـ "عبر النوعية"، فلابد من ضوابط معينة. هنا من الممكن للبرنامج بعد تغذيته ببعض القواعد النقدية، وبعض المعلومات أن يقرر استقبال عمل ما لأنه يستوفي هذه الشروط، أو يقرر عدم استقباله لأنه دون الحد الأدنى، وبالتالي فإن هذا البرنامج يساعد الناقد في الاختيار، وفي وضع حد أدنى لجودة العمل الذي سيتعامل معه عبر البريد الإلكتروني، إما بقراءته على شاشة جهازه أو بطباعته على الورق.

وفي تصوري فإن برنامج الناقد الإلكتروني لن يفحص المؤلفات أو النصوص الأدبية أو النقدية فحصا تافها أو هزيلا أو ركيكا، وليس في مقدوره أن يفعل ذلك، فهو لا يعتمد على المزاج الإنساني أو مزاج الناقد الشخصي، ولا على الأهواء التي تثيرها المشاحنات الفكرية.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو: هل سينتهي النقد الإلكتروني إلى نوع من الاستبدادية الإلكترونية ـ إن صح التعبير ـ وبالتالي فقدان حرية الناقد (البشري) الذي سيعتمد اعتمادا أساسيا على مخرجات هذا البرنامج ونتائجه في استكمال الرحلة النقدية؟ وهل سينتهي هذا النقد إلى نوع من الصلابة المعرفية التي تتيحها الشبكات العالمية؟ حيث إن المعلومة المقدمة ستظل كما هي دون محاولة تمحيصها واكتشافات دلالات معرفية أخرى حولها؟ أو كما هو في علم الحساب 1+1= 2 دون محاولة ابتكار آفاق معرفية جديدة والاكتفاء بما تقدمه الشبكات من معلومات؟

لا أعتقد حدوث ذلك لأن الإنسان الذي اخترع الأجهزة الإلكترونية، وتوصل إلى الشبكات العالمية لن يقف طموحه وإبداعه عند حدود، فهو دائم التجدد، دائم الإبداع، لا يركن إلى نمط واحد، بل إن الديمقراطية المعرفية التي تتيحها شبكة المعلومات ستجعله يبحث دائما عن الجديد. ونأمل أن يكون الجديد دائما في صالح الإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات.

العلامات: