حياة هادئة، وجمال صامت


إلى جانب أمنها ،وجمالها ،ونظافتها ، لعلّ هدوء العاصمة "مسقط" هو أهمّ ما يشدّ زائريها إليها ،وساكنيها الذين ينعمون بحياة مستقرّة، هادئة، وقد لفت الشاعر طالب المعمري نظري في كتابه "عمان مدن وحياة" الصادر حديثا عن بيت الغشّام إلى إشارة وردت في كتاب"ابن المجاور" "تاريخ المستبصر" يتكهّن خلالها بأصل تسمية "مسقط" بأنها اسم مكان من "سقط" أي مكان الصمت، "ويقال إن ذلك بسبب أن الرفاق كانوا حين يصلون إلى المدينة ،كان كلّ واحد يلتزم الصمت" ، والصمت علامة من علامات الوقار ، وصفة من صفات العقلاء ، وأرباب الحكمة ، وربما نسجت الحكمة العمانيّة بيتها من خيوط هذه السمة ، و"رب سكوت أبلغ من كلام" من حيث أن " عثرة القدم أسلم من عثرة اللسان" كما جاء في الأمثال السائرة ،ومثلما أسهب الكثيرون في مديح الصمت وتعديد فضائله ، ذمّوا الكلام ،وفي هذا يقول «باولو كويلو» من بين كل أسلحة الدمار التي اخترعها الانسان يبقى الكلام السلاح الأخطر والأقوى" وصمت "مسقط" يتناغم مع كيانها العمراني ، والبشري ليكون هوية جمالية فـ"الصمت في حرم الجمال جمال "كما يقول الشاعر نزار قبّاني.

إن صمت مسقط ليس أيّ صمت ، إنّه صمت ناطق بالجمال ،يحرّض على الإبداع ،ويدعو من وطأت قدمه ترابها إلى التأمّل، ومراجعة الذات ، لذا ، فإنّ الكثيرين من الذين زاروها من الأدباء ، وعدوا بتكرار الزيارة لغرض الانصراف للكتابة ،وانجاز المشاريع المؤجّلة ، فهدوء "مسقط" يجعل شهيّة الكتابة مفتوحة على الدوام .

وتغدو "مسقط" منطقة جذب سياحيّة في منطقة الخليج، بل إنّ الدكتور يعقوب بن سالم البوسعيدي يعتبرها "من أهم مناطق الجذب السياحي في العالم العربي عموما ، وفي سلطنة عُمان خصوصا ، لعمق تاريخها، وثراء بيئتها ،وتميزها بمواقع جذب سياحي مختلفة "، فمسقط التي تأسّست قبل أكثر من 900سنة احتلّت مكانة مميّزة بين العواصم العربيّة العريقة ، وهذه صنعت لها صيتا، ورنينا في الذاكرة الثقافيّة لدى شعوب العالم ، ومن يزر مسقط يشاهد العديد من المواقع الأثريّة التي تعود إلى عصور خلت ، فتشمخ القلاع، والحصون، والأبواب، والبيوت القديمة كشواهد أثرية، ويلاحظ هذا التمازج الجميل ،بين التراث والمعاصرة ،في تصميمها العمراني ، وهو تمازج حفظ لـ"مسقط" شخصيّتها ، وأضفى عليها من روح الحداثة الكثير ،هذه الخصوصيّة العمرانيّة ،إضافة إلى الميزات الأخرى المتمثّلة بالتقاء البيئات البحريّة،والجبليّة،والصحراويّة ،ووجود المعالم التاريخيّة، والشواهد الأثريّة التي يفوح منها عبق الماضي ،إلى جانب الأنشطة الفنيّة، والمؤتمرات، والندوات ، والمهرجانات ، والأمن والإستقرار ، كلّها جعلت أنظار السيّاح تتّجه إلى مسقط لتصبح وجهة سياحية ، وليكون النشاط السياحي متواصلا على مدار العام ، ولو سألت أحد هؤلاء السيّاح عن أبرز عنصر جذبهم إلى "مسقط" لأجابوا هدوء العاصمة في عالم يضجّ بصخبٍ يصمّ الأذان ، ويصدّع الرؤوس ، فتضيق النفوس ، وتبحث عن وجهة ينقذها من هذا الصخب ، فتجد في "مسقط" بغيتها، ليصبح هذا الهدوء سمة من سمات مدينة يلتزم من يصل إليها الصمت إنبهارا ،وإكبارا حسب قاعدة الشاعر نزار قباني بقوله:

فإذا وقفت أمام حسنك صامتا

فالصمت في حرم الجمال جمال

العلامات: