خليل مطران وتقسيم الزمن


لُقِّبَ الشاعر خليل عبده مطران بشاعر القطرين (ويقصد بالقطرين: مصر والشام) فقد ولد في بعلبك بلبنان عام 1872 من أسرة عربية مسيحية تعرف بآل مطران، وتلقَّى تعليمه في الكلية البطريركية في بيروت، وقضى معظم حياته في مصر، ومات فيها مساء 30 يونيو عام 1949، بعد أن عاش 77 عاما.

أحبَّ خليل مطران في صغره الشعر وركوب الخيل، وكان يسابق أصحابه الذين يكبرونه سنًّا، وذات مرة سقط من فوق حصانه، فتكسَّرت ضلوع صدره، وتهشَّم أنفُه، وبقي ذلك التهشُّمُ ظاهرًا على أنفه طوال حياته.

درس خليل مطران اللغة العربية وأجادها، وأتقن اللغة الفرنسية بعد أن أقام سنتين في باريس، وتأثر بالأدب الفرنسي، وترجم عددا من المسرحيات المعروفة للأديب الإنجليزي الشهير شكسبير مثل: هاملت وعطيل ومكبث وتاجر البندقية وغيرها.

تفرَّغ خليل مطران للشعر والصحافة، وكتب أول مقال له وهو طالب في جريدة اسمها "لسان الحال البيروتية" لصاحبها سليم سركيس. وذاعت شهرته شاعرا وكاتبا بعد تخرجه من الكلية، وشارك في الأحداث السياسية والاجتماعية في بلاده، مما أدى إلى إطلاق الرصاص على غرفته، فخاف عليه أهله وأرسلوه إلى باريس ـ مرورا بمصر ـ وهو في سن الثامنة عشرة من عمره، فانكبَّ هناك على دراسة الأدب الفرنسي.

وبعد مضي سنتين قرر خليل مطران العودة إلى مصر، فوصل من باريس إلى الإسكندرية في صيف عام 1892 وكان في سن العشرين، وعمل في جريدة "الأهرام" التي كانت تصدر من الإسكندرية في ذلك الوقت، ثم ترك الأهرام بعد سبع سنوات أي في عام 1899 ليتفرَّغَ لشعره وأعماله الأدبية والترجمة والتأليف، إلى جانب بعض الأعمال التجارية والمالية.

وفي عام 1900 أصدر مجلة أدبية نصف شهرية سمَّاها "المجلة المصرية"، ولكنها لم تستمر سوى سنتين. ثم أصدر جريدة يومية سمَّاها "الجوائب المصرية" عام 1903.

وبعد وفاة شاعر النيل حافظ إبراهيم في شهر يونيو عام 1932 ووفاة أمير الشعراء أحمد شوقي بعده بخمسة أشهر، أُطلق على خليل مطران "شاعر الأقطار العربية"، وانتخب رئيسا لجمعية "أبولو" بعد وفاة أحمد شوقي رئيسها الأول.

وكتب خليل مطران قصائد وأناشيد وأراجيز كثيرة للصغار والشباب جمعها في ديوان شعري يحمل عنوان "إلى الشباب ـ أراجيز في أحدث وسائل النجاح من الأخلاق والآداب".

وفي إحدى تلك القصائد يتوقف خليل مطران عند الزمن وأهمية تقسيمه كي نستفيد منه، فلم يكن النجاح الذي حققه الشاعر خليل مطران في حياته وليد الحظ والصدفة، ولكنه عرف قيمة الوقت وتقسيمه ليستفيد أكبر استفادة منه. وحاول أن ينقل تلك الخبرة إلى الصغار والشباب ليحسنوا التعامل مع الزمن ومع الوقت وأن يقسموه فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة والنجاح. فهناك وقت للعب، ووقت للدرس والمذاكرة، ووقت للنوم والأكل، ووقت للتنزه والجلوس مع العائلة، وهكذا.

وسوف نلاحظ أن لغة خليل مطران التي كانت سائدة في عصره، بها بعض المفردات التي تحتاج الآن إلى شرح وتفصيل لمعناها، بما يُثري لغة العربي الصغير، ويكسبه ألفاظا جديدة، فتتسع حصيلته اللغوية.

يوصي خليل مطران الشاب العربي بأن يُعين أو يُخصص جزءا من الزمن، أو (بعض الزمن)، لكل شيء، فلا يصح أن يكون الزمن كله، أو اليوم كله، للعب أو للنوم أو للتنزه، ولكن لكل شيء زمن محدد ومقدار معين لا يجور على الشيء الآخر، والشاعر يؤكد أن الزمن المقسَّم على هذا النحو نستطيع أن نجني منه الكثير، بل أننا لا نستطيع أن نُحصي فوائده لكثرتها، فـ (جناه لا يقوّمُ) أي أن ثمره الذي يُجنى عنه لا يُحصى أو لا يُعَد.

وبتقسيم اليوم أو الزمن على هذا النحو نال الفرنجة (ويقصد أهل أوروبا في ذلك الوقت) المقام الأوجه، أو المقام العالي، فتقدَّموا على سائر الأمم، وصاروا في طليعة الموكب البشري، وتمكنوا بحسن تقسيم الزمن أن يُذلِّلوا الصعاب التي تعترضهم، وأن يُخضعوا لهم بقية الأمم.

إن لكلِّ أمرٍ عندهم وقته الذي يقدرونه، وبذلك يتسع يومهم لعمل أشياء كثيرة مما يريدون أن يعملوه أو ينجزوه، فهم يقومون بتوزيع الزمن على الشيء المطلوب إنجازه خلال اليوم، سواء ما يفعله الإنسان تطوعا (النَّفْل) أو ما يجب عليه فعله من عمل أو راحة أثناء الإقامة (الحضر) أو السفر والانتقال (النَّقَل). وفي هذه الحالة فإن الساعا (جمع ساعة) أو الساعات من النادر أن تضيع هباء أو بلا فائدة، أو كما قال الشاعر (يندُرُ أن تُضَاعَا).

إن الساعات المقسَّمة على العمل والراحة أو اللعب والمذاكرة تكون ذات فائدة عظيمة (تجيء ذات فائدة) وتعود بالخير على صاحبها، أو أنها تنقضي بخير يعود عليه (تنقضي عن عائده).

والآن .. إلى قصيدة خليل مطران "تقسيم الزمن":

لكلِّ شيءٍ عيِّنِ ** في اليومِ بعضَ الزمنِ

فالزمنُ المقسَّمُ ** جَنَاهُ لا يقَوَّمُ

بذلكَ الفِرِنْجةْ ** نالُوا المقامَ الأوجَهْ

وَذَلَّلوا الصِّعَابَا ** وَأخْضَعُوا الرِّقَابَا

لكلِّ أمرٍ يُؤتَى ** يقدِّرُونَ وَقْتَا

فيومُهُمْ يَتَّسعُ ** بِحُسْنِ مَا يُوَزَّعُ

للنَّفْلِ أو لِلوَاجِبِ ** وَسَائِرِ المطالِبِ

من رَاحَةٍ وَعَملِ ** وَحَضَرٍ ونَقَلِ

بحيثُ إنَّ السَّاعَا ** يَنْدُرُ أنْ تُضَاعَا

تجيءُ ذاتَ فائدَةْ ** وَتَنْقَضِي عنْ عَائِدَةْ