سرُّ التميّز


فاجأتني ابنتي ذات الإثنى عشر ربيعاً بسؤالها المباغت وأنا أقود السيارة: ما هو طموحك؟! استقبلتُ السؤال الكبيرَ الصادرِ عن عفويةِ طفلةٍ استقبال المصدومِ الذي يُظهرُ جلادةً وحلماً فأجبتُ وأنا أبتسمُ لها: طموحي أنا؟! وكأنني لم أعِ بعد السؤال؟ قالت: نعم طموحك؟ فطرقت في نفسي عبارة ابن النَّفري: كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة..! فإذا بي أسبحُ في بحرٍ من الطموحاتِ التي تراوحت بين رسالتي في الحياةِ، وطموحاتي في مجالاتٍ حياتية أُخرى..

لكنني أعترفُ بأن السؤال قد جعلني أفكّرُ لأيامٍ عدّة في هذه “الطموحات” لأننا نحن البشر في أغلبنا نصولُ ونجول في الحياةِ، ونتشدّق بالطموحات إن سألنا عنها وكأنّها كواكبَ في آفاق السماءِ، وليست كمشاريعَ واقعية. هناك قضيّةٌ هامّة لا نكادُ نوليها العناية وهي الفرقُ بين اهتمامنا بالطموح وبين التزامنا من أجل الوصول إليه..!. أقول ذلك لأن أغلبنا يفتقدُ إلى آليةِ صنع أو تحديد الأهداف الواقعية التي توصله إلى الطموحِ المنشود. أما الأمر الآخر فهو ماهية الطموح الذي نريدُ فكثيرٌ من الناسِ يخلطُ بين وسيلة (مثل السيارةِ، والزواج، والوظيفة، والسكن، والترقية، والدراسة) وبين الطموحات الإنسانية التي تخلّف أثراً للإنسان، وتربطُ باسمه، وتُنسبُ إليهِ، وتصبحُ –في عرفنا الديني- صدقةً جاريةً له بعد مماته..! يقول ستيف جوبز: ”كنت أملك أكثر من مليون دولار حين كان عمري 23 عاماً، و10 ملايين عندما كان عمري 24 عاماً، و100 مليون عندما كان عمري 25 عاماً. لكن لم يكن لذلك أية أهمية لأنني لم أكن أعملُ من أجل المال»

الكثيرُ من الناس يحصرُ نفسه في الحاجات الإنسانية الأساسية التي لا يتميّزُ فيها الناس أغلبهم بحكم الفطرة الإنسانية التي تدفعُ الإنسان لإشباعها. إنّما الأهداف السامية في الحياةِ فقليلٌ من الناس هم الذين يسعون لها وهؤلاء هم الذين غيّروا التاريخ، وخدموا الحضارات، وطوّروا الحياة الإنسانية؛ هم المبدعون الذين ينطقُ حالهم ببيت شعر أبوالطيب المتنبي:

أُريدُ من زمني ذا أن يبلّغني .. ما ليس يبلغهُ من نفسهِ الزّمن

إننا كبشر نضيّع أوقاتنا في تلبية حاجاتنا اليومية النمطية، لكننا لا نهبُ من الوقت – إلا قليلا- في وضع رسالتنا في الحياة، وتحديد الأهداف التي توصلنا إلى المطامح السامية التي ترفعُ درجة المنافسة البشرية من مستوى العامةِ إلى مستوى الإبداع. في ديننا الكريم هناك درجات (إسلام- إيمان- إحسان) وهذه الدرجة الأخيرة لا يتبوأها إلا أصفياء البشر من ذوي الهمم العالية، والشكائم القوية، والنظرات السامية. كذلك هي الصورة العامة للمعاش الإنساني على وجه الأرض يتوزّع بين كائنٍ بشري يعيش ليأكل، وآخر يأكل ليعيش، وثالث يأكل ليعيش فيبدع. أمّا السرّ الآخر فلا يكمنُ في مهارة وضع الأهداف وحسب بل وفي الإنضباط التام لتحقيقها، فلا قيمة لهدف لا التزام لتحقيقه، ولا معنى لمشروع لا انضباط لإنجازه، وأغلبُ الناس بين مؤجّل ومسوّف، يمضي به العمر وهو يُرجيءُ كل صباحٍ ما يفترضُ به أن يمضي لتحقيقه، ولو وقف وقفة ستيف جوبز أمام المرآة كل يوم لأنجز ما يطمح إليه، يقول رئيس شركة آبل: عندما كنت في السابعة عشرة من عمري قرأت مقولة “إذا عشت هذا اليوم كأنه آخر يوم في حياتك يومًا ما ستجد نفسك بالفعل قد كنت على حق ”وقد تأثرت بها كثيرًا مما جعلني في الثلاثة والثلاثون عامًا السابقة أنظر في المرآة كل صباح وأسأل نفسي إن كان اليوم آخر يوم في حياتي ما الذي يجب أن أفعله وهل كنت سأفعل ما أود فعله حاليًا؟» هذا السؤال جعله يرحلُ على الدنيا وقد قدّم للإنسانية إنجازات كبرى ملهمةً لأصحاب الطموحات السامية.

العلامات: