مي زيادة ..عاشت معشوقة .. وماتت منكوبة


أحبها العقاد والمازني والرافعي وطه حسين ..لكنها لم تحب سوى جبران

في إحدى رسائلها له قالت : : أحبك قليلاً ..كثيراً بحنو .. بشغف .. بجنون .

هل أحبها جبران ؟ فماذا عن علاقته بالأمريكتين ماري هسكل وميشيلين ؟!

حين عادت إلى لبنان عقب وفاة جبران عام 1931 ..عاملها أهلها بقسوة واتهموها بالجنون وألقوا بها في مستشفى للأمراض العقلية

شاء أحد العابثين أن نستحضر عالم الأديبة " مي زيادة..في الذكرى ال74 لوفاتها بطريقة مغايرة لما هو معتاد ..والمعتاد تنظيم مؤتمر.. ندوات ..حول أدب مي ..أو إعادة إصدار بعض أعمالها ..وبالطبع هذا لم يحدث ..لكن الذي حدث أن أطلق أحدهم شائعة بيع المقتنيات التي خلفتها " مي " في شقتها بشارع علوي بوسط البلد ..

..والحكاية بدأت يوم 24 أكتوبر 2015حين تداول عدد من رواد موقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك" تدوينة عن مزاد من المقرر عقده مساء نفس اليوم لبيع شقة مى بالقاهرة ..وكانت التدوينة المتداولة من قبل شخص يدعى نبيل سيف، بوك، كالتالى: "مساء اليوم السبت هاحضر مزاد مغلق وشخصى جدا جدا فى شقة بشارع علوى بوسط القاهرة أمام مبنى الإذاعة القديم الشقة دى مغلقة منذ 1941.. الشقة فيها بلاوى وكراتين وأوراق ورسائل من العقاد وطه حسين، وأمراء وعظماء لأنها كانت جميلة جدا.. أهم كرتونة إلى فيها كل ملفاتها الطبية وتقارير علاجها ووفاتها، وواضح أن الورثة هما إلى جمعوا الكرتونة دى لان فيها حتى مصاريف جنازتها وحساب الحانوتى القبطى". ..وبالطبع تبين أن الأمر كله مجرد شائعة

جوجل تتذكر

ووحدها ..ومع حلول ذكرى ميلاد مي في 11فبراير ..تضع أحيانا شركة محرك البحث عبر الانترنت "جوجل" صورة مي على صفحتها الرئيسية ..ولا أخفي دهشتي من تلك المبادرة ! التي نادرا ما تحظى بها امرأة في عالمنا العربي ..وما أكثر الجديرات بها ..من عالمة الذرة المصرية سميرة موسى الى الروائية الجزائرية آسيا جبار ومرورا بالشاعرة العراقية نازك الملائكة .. وكثيرات كثيرات غيرهن خلفن ارثا فريدا من العلم والفكر والابداع .

فلماذا مي زيادة ؟

كاتبة جيدة كانت .. وأيضا مترجمة ..تمكنها من ست لغات أعانها على ترجمة بعض الأعمال الأدبية من لغات أجنبية منها ديوان عن اللغة الفرنسية .. ..الا أنني

ومنذ أن عرفت ماري زيادة – هذا اسمها الحقيقي قبل أن تغيره الى مي - من خلال قراءاتي لها وحولها يراودني خاطر بأن اسمها ما كان سيحفربارزا في محافل الثقافة العربية لو اكتفت بالكتابة فقط ..! ..انما سهل لها أن تشغل مكانا بارزا في الذاكرة العربية

ندوتها الأسبوعية التي انطلقت عام 1913 و اشتهرت بصالون الثلاثاء ..وظل أحد أشهر الصالونات الأدبية على مدار ربع قرن ..حيث توافد عليه كبار رجال الفكر والعلم والسياسة والاقتصاد من النخبة المصرية والعربية ..مثل إسماعيل صبري .. منصور فهمي .. ولي الدين يكن .. أحمد لطفي السيد .. أحمد زكي .. رشيد رضا .. محي الدين رضا .. يعقوب صروف .. سلامة موسى .. خليل مطران .. مصطفىى صادق أنطون الجميل ..سليم سركيس ..مصطفى صادق الرافعي ..طه حسين ..عباس العقاد .. عبد القادرالمازني ..أحمد شوقي ..

صالون الحب والثقافة

و ماكان صالونا محضا للثقافة .. صحيح أن أمسيات الثلاثاء به اشتعلت بالجدل حول قضايا فكرية واجتماعية بالغة الأهمية آنذاك كقضية السفور وحرية المرأة ..الا أنني أظن وقد يجافيني الصواب أن المضيفة أيضا كانت تنتشي بنثر عطرها الأنثوي في أرجاء الصالون لترى وتستمتع في صمت بقامات مصر والعرب وهم يعطسون عشقا لمضيفتهم ..لتغزل القصص عن وقوع العقاد أو المازني أو الرافعي..بل حتى طه حسين في غرامها ..وكل يظن انه يحظى بخصوصية لديها لايحظى بها سواه ..وهي تترك الباب مواربا لاتغلقه في وجه اي منهم ..حتى لاينفضون من حولها ..فان كان قلبها قد نبض بحب أحد فلهذا الذي تفصله الجغرافيا عنها بسبعة ألاف ميل ..جبران خليل جبران .. في مهجره بمدينة نيويورك غرب الأطلنطي ..هذا هو الجانب المضيء في حياة مي زيادة ..عشرون عاما من العشق الروحي دون أن تراه ..بلغ من عنفوانه أن رحيل جبران عام 1931 كان ايذانا بغروب شمسها ..وكم تفيض رسائلها له بلوعة الحنين ..ببكارة الأحاسيس ..وحين لم تقو على قمع موار دواخلها تكاشفه ..

في رسالة خطتها له في 21مايو

1921

: أحبك قليلاً ..كثيراً بحنو .. بشغف .. بجنون ..

وما أشد معاناة عذراء بمجتمع شرقي مثل مصر في مطلع القرن العشرين مازالت جدران الحرملك العثماني بقيوده غير المبررة تغل روحها حين تبوح بمشاعرها ..لذا تتبرأ سريعا من جريمتها وتصيح في ذات الرسالة " لاأحبك !

وشتات المشاعر يطاردها دوما في كل رسائلها التي تبوح له فيها بحبها ..ففي تلك الرسالة التي خطتها بعد أن أصابها الاحباط لعدم تلبيته دعوتها بزيارة القاهرة وكانت قد بلغت الخامسة والثلاثين وقلبها مغلق على كل من سواه حتى لو كانت تسعد باطراءاتهم وغزيرمشاعرهم .. تقول مي: ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به ولكني أعرف أنك محبوبي.. واني أخاف الحب.. أقول هذا مع علمي أن

الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير ..

وأيضا سرعان ماتفر : كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا.. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري .. الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام .. ولاختفيت زمناً طويلاً .. فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى ... حتى الكتابة ألوم نفسي عليها !

قلب جبران

فهل بادلها جبران الحب ..!

في تاريخه السري والعلني تكمن بعض العلاقات النسائية منها علاقته بالأمريكتين ماري هسكل وميشيلين .. فان كانت رسائله لهما أو أحاديثه معهما تفيض بعسل النحل فرسائله لمي زيادة تقطر بغذاء الملكات ..!

في احدى رسائله اليها ..تلك المؤرخة

في 26فبراير1924

يقول :

نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة ..وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية .. أحب الثلج .. أحب بياضه.. وأحب هبوطه .. وأحب سكوته العميق .. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً .. ثم يتلألأ بنور الشمس ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة أحب الثلج وأحب النار وهما من مصدر واحد .. ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع ما ألطف من قال: يا مي عيدك يوم وأنت عيد الزمان..

فان كانت مي قد فقدت والدها عام 1929ووالدتها عام 1932 وانفطر قلبها حزنا عليهما الا أن فقد الحبيب عام 1931كان ايذانا بغروب شمسها ..وكم عانت خلال سنواتها الأخيرة ..حتى أنها لاقت عقب عودتها الى لبنان معاملة قاسية من أهلها ..واتهمت بالجنون ..وألقوا بها في مستشفى للأمراض العقلية ..لتشن الصحافة اللبنانية حربا لاهوادة فيها ضد هؤلاء الذين أساءوا لها ..فتم نقلها الى مستشفى خاص .. وحين استعادت عافيتها أقامت في بيت الأديب اللبناني أمين الريحاني عدة أشهر قبل أن تعود الى القاهرة ..؟لكن القاهرة التي كانت فيها عبر ربع قرن الونس والالهام لنخبتها أطبقت على روحها بجدران الوحدة والوحشة ..الى أن رحلت عام 1941..وماكانت جنازتهاالا مشهدا من فصل حياتها الأخير الموحش ..حيث تناثر بضعة أشخاص حول نعشها ..ليعودوا بعد أن واروها التراب الى الأسواق والمنتديات يبيعون ويشترون وينظرون ..ولاشيء في الذاكرة عن الراحلة الا شبح باهت!

العلامات: