السعادة والطمأنينة القلبية


هذا الموضوع غاية من الغايات وهدف من الأهداف لكل البشر قاطبة، الذكر والأنثى يتطلعون إليه، والصغير والكبير يأملون فيه، والغني والفقير يسعون من أجله، يقطع الواحد منا المفاوز من أجله، يدفع الواحد منا الكثير من أجله، الجميع بلا استثناء في أي مكان وفي أي زمان يبحث عنه، تسألون ما هذا الأمر الذي تتحدث عنه بهذه اللغة لغة التعميم والعالمية، أقول إن هذا الأمر هو السعادة والطمأنينة القلبية إنه الراحة النفسية إنه العيش الهانئ، أنه ما أسماه الله بالمتاع الحسن وما أسماه الله بالحياة الطيبة، وما أسماه الله شرح الصدر وما أسماه الله طمأنينة القلب فدعونا نعيش مع القرآن وهو هداية الله للبشرية نبحث عن طرق السعادة والمتعة والحياة الطيبة التي بحث عنها البعض في غير القرآن وفي غير طريق القرآن ولم يجدها ولن يجدها. ولنتأمل هذه الآيات :بعد بسم الله الرحمن الرحيم ({الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }. وقال جل ذكره : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }. وقال سبحانه وتعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ).وقال عز وجل : {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }. [هذه الآيات بينت الأركان والأصول التي يقوم عليها المتاع الحسن والحياة الطيبة وشرح الصدر وطمأنينة القلب، لكن قبل الشروع في الحديث عن هذه الأركان دعونا نذكر بالمعاني التي ذكرها علماء التفسير في معاني المتاع الحسن والحياة الطيبة وشرح الصدر وطمأنينة القلب وهي معان متقاربة مترادفة فهي تشمل :التمتع بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش والعافية في الدنيا، والتمتع بهذا العمر تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت وتشمل القناعة وهي الرضا بالموجود وعدم الحزن على المفقود وتشمل التوفيق للطاعة والانشراح للعمل بها، وتشمل السعادة في الدنيا والآخرة، وتشمل انشراح الصدر بمعرفة التوحيد وصدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.أما أول الأركان لهذه المنزلة الكريمة والحياة الطيبة فهو توحيد الله جل جلاله وإفراده بالعبادة فقد قال الله تعالى في معرض الآيات التي تحدثت عن المتاع الحسن (ألا تعبدوا إلا الله) أي لأجل إخلاص الدين كله لله وألا يشرك به أحد من خلقه وهذه أول الأصول ، إنه التوحيد يا أهل التوحيد، التوحيد أول أسباب السعادة والحياة الطيبة وأعلاها منزلة ، التوحيد هو إفراد الله بالعبادة إنه بالإضافة إلى ذلك الإقرار الجازم بأن الله وحده ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه، وأنه الخالق للعالم، المحيي المميت، الرزاق ذو القوة المتين، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، لا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا مضاد له، ولا مماثل، ولا سمي، ولا منازع له في شيء من معاني ربوبيته ومقتضيات أسمائه وصفاته ، قال الامام ابن كثير رحمه الله: (وقال بن عباس رضي الله عنهما في قوله (فمن يرد الله أن يهديه) يشرح صدره للإسلام يقول تعالى يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به). (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) قال الشيخ السعدي رحمه الله : يقول تعالى مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته وعلامة شقاوته وضلاله إن من انشرح صدره للإسلام أي اتسع وانفسح فاستنار بنور الإيمان وحيي بضوء اليقين فاطمأنت بذلك نفسه وأحب الخير وطوعت له نفسه فعله متلذذا به غير مستثقل فإن هذا علامة على أن الله قد هداه ومن عليه بالتوفيق وسلوك أقوم الطريق. التوحيد يا عبد الله : يجعل العبد في حفظ من الله يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه فيصبر ويحتسب ، ويتوكل الله وحده في كل أموره وشؤونه، ويعلم أن الله قادر على كل شيء يقول للشيء كن فيكون، قلبه متعلق بالله في جميع أحواله في حال صحته أو مرضه في حاله غناه أو فقره، وهنا تجتمع السعادتان سعادة المظهر وسعادة القالب وطمأنيته.

إذا فقد الإنسان التوحيد فقد كل شيء لهذا ألف أحدهم كتاباً أسماه (دع القلق وابدأ الحياة) ذاع صيت الكتاب وصيت مؤلفه، أتعلمون كيف كانت نهاية هذا الرجل الذي حُرم من نعمة التوحيد لقد مات منتحراً وهو الذي كان حدث الناس ألا يقلقوا! أما ثاني أسباب السعادة وانشراح الصدر فهو القرآن يا أمة القرآن الذي هو الهداية والنور (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هذا كتاب عظيم ونزل كريم (أحكمت آياته) أي أتقنت وأحسنت صادقة أخبارها عادلة أوامرها ونواهيها فصيحة ألفاظه بهية معانيه (ثم فصلت) أي ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان (من لدن حكيم) يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته (خبير) مطلع على الظواهر والبواطن فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة. والقرآن هو أعظم ذكر لله سبحانه وتعالى، وإن كان فيه أعظم انشراح للصدر ففي الأذكار الأخرى مزيد من انشراح الصدر وطمأنينة القلب، ذكر الله من قول لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولاحول ولاقوة إلا بالله وصلى الله وسلم على رسول الله، أذكار الصباح والمساء وذكر الدخول والخروج من البيت وغيرها من الأذكار فيها من السعادة والطمأنينة ما لايعرفه إلا من كان هذا دربه وتلك طريقته وصدق الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) كما أنه هناك ذكر أشار الله إليه في معرض الحديث عن المتاع الحسن والحياة الطيبة فقال ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً) إنه الاستغفار إنه قول استغفر الله، قال أهل العلم لماذا ذكر الاستغفار ثم التوبة ومعناهما واحد فأجابوا أن الاستغفار يكون من الصغائر والتوبة تكون من الكبائر وقيل غير ذلك قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع الله من فعل ذلك متاعا حسنا إلى أجل مسمى لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء. أما رابع الأسباب في سعادة القلب وطمأنينة الفؤاد هو ما أشار له ربنا سبحانه بقوله (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كل عامل سواء كان ذكرا أو أنثى عمل عملا صالحا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل، إنه العمل الصالح إنها الطاعة لله جل جلاله، قال أهل العلم: العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:

الأول موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الثاني أن يكون خالصا لله تعالى لأن الله جل وعلا يقول ( ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقال (قل الله أعبد مخلصا له دينى فاعبدوا ما شئتم من دونه) الثالث أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة لأن الله يقول (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) فقيد ذلك بالإيمان ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح . الطاعة والعمل الصالح لهما تأثير على القلب عجيب، فالراحة والطمأنينة والحياة الطيبة ثمرة من ثمار العمل الصالح والقرب من الله وحده، ألم تكن الصلاة هي الراحة لنبينا صلى الله عليه وسلم أليس هو القائل (أرحنا بها يا بلال) ألم يكن يفزع صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة إذا أهمه أمر أو فزعه.

فأين من يفزع إلى الصلاة إذا أهمه أمر أو فزعه ؟!.