الكبر والإيثار والغرور

الكبر: الكبر هو ابن العجب، ولذلك جعلناه بعده، لأن الكبر - كما عرفّه رسول الله صلى الله عليه وسلم - هو "غمط الناس وبطر الحق" وذلك جذره العميق هو العجب.

دعونا نتصوّر خطورة الكبر على الحياة البشرية من خلال تصوّرنا أنّ هذا المرض قد عمّ كل الناس فكيف يكون الحال؟ تصوّروا أنّ كل إنسان قد ازدرى كلّ الناس فماذا يكون: لا يبقى في هذه الحالة احترام لأحد ولا هيبة لأحد ولا حرمة لأحد ولا أدب مع أحد، وتصوّروا حياة بشرية ليس فيها احترام ولا هيبة ولا حرمة ولا أدب، وهذا كلّه فرع الشق الأول من الكبر.

ثم تصوّروا أنّ كل إنسان في هذا العالم إذا عرض عليه الحق رفضه، فكيف يكون أمر هذا العالم؟ عندئذ لا يستطيع اثنان أن يتفاهما على شيء إلاّ بالقهر على الباطل، فما لم يجتمع الناس على حق، لا يجتمعون على باطل، وعندئذ فالقويّ هو الذي ينفذ أمره، ويتوضّع حول هذا: الظلم، والغصب، والإِرهاب، والإِرهاق، والعدوان، وإهدار الكرامات والحقوق.

بيان حقيقة الكبر وآفته.

اعلم أنّ الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر على الجوارح. واسم الكبر بالخلق الباطن أحق، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق. وخلق الكبر موجب للأعمال ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال تكبر، وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر. فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس على المتكبر عليه فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به، وبه ينفصل الكبر عن العجب. فإنّ العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإِنسان إلا وحده تصوّر أن يكون معجباً، ولا يتصوّر أن يكون متكبراً إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً، فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده وعز في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة والهزة والركون إلى العقيدة في النفس هو خلق الكبر.

القسم الثالث: التكبر على العباد، وذلك أن يستعظم نفسه ويستحقر غيره، فتأبى نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم.

معالجة الكبر واكتساب التواضع

ولنعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه، وإزالته فرض عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له. وفي معالجته مقامان (أحدهما) استئصال أصله من أصله وقلع شجرته من مغرسها في القلب. (الثاني) دفع العارض منه بالأسباب الخاصة التي بها يتكبر الإِنسان على غيره.

(المقام الأول) في استئصال أصله، وعلاجه علمي وعملي، ولا يتم الشفاء إلا بمجموعهما:

أما العلمي: فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة، وإذا عرف ربه علم ألا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله.

وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، من أحوال الصالحين.

بيان الإِيثار وفضله

اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات. فأرفع درجات السخاء الإِيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة. وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه أو لغير محتاج، والبذل مع الحاجة أشدّ. وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإِنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن، ولو وجدها مجاناً لأكلها.

الغرور

أول آثار الغرور السير وراء الأوهام، وقضاء العمر فيها، ولأن أكثر الناس مبتلون بذلك فإنهم كثيراً ما يسيرون وراء السّراب ولا يشعرون، قال ابن عطاء: (ما قادك شيء مثل الوهم) وما ذلك إلا أثر عن الغرور، فقد يكون طريق أقرب من طريق إلى هدف، وقد يكون طريق أهدى من طريق، ولكن الغرور يجعل صاحبه بمنأى عن ذلك كلّه.

ومن آثار الغرور أن يرفض المغرور النصيحة وان يبقى حيث هو في سلّم الغلط او في سلّم الحياة لا ارتقاء ولا نهوض مع التلبّس بالغلط.

ولنتصوّر حياة بشرية عمّ فيها داء الغرور كيف تكون؟

بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته

اعلم أن قوله تعالى: {فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} وقوله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ} كاف في ذم الغرور وكل ما ورد في فضل العلم وذمّ الجهل فهو دليل على ذم الغرور، لأن الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل، إذ الجهل هو أن يعتقد الشيء ويراه على خلاف ما هو به، والغرور هو جهل إلا أن كل جهل ليس بغرور، بل يستدعي الغرور مغروراً فيه مخصوصاً ومغروراً به وهو الذي يغره.

أنواع المغترين وبعض فرقهم

(ففرقة) أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغاً لا يعذب الله مثلهم، بل يقبل في الخلق شفاعتهم، وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله وهم مغرورون، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أنّ العلم علمان: علم معاملة، وعلم بالله وبصفاته، المسمى بالعادة: علم المعرفة. فأما العلم بالمعاملة: كمعرفة الحلال والحرام، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها، فهي علوم لا تراد إلا للعمل ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل.

وأما الذي يدّعي علم المعرفة: كالعلم بالله وبصفاته وأسمائه وهو مع ذلك يهمل العمل ويضيع أمر الله وحدوده فَغُروره أشدّ، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

(وفرقة أخرى) أحكموا العلم والعمل فواظبوا على الطاعات الظاهرة وتركوا المعاصي، إلا أنهم لم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا الصفات المذمومة عند الله من الكبر والحسد والرياء وطلب الرياسة والعلاء وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة في البلاد والعباد، وربما لم يعرف بعضهم أن ذلك مذموم فهو مكب عليها غير متحرز عنها.

(وفرقة أخرى) علموا أنّ هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع، إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بذلك، وإنما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم، فأما هم فأعظم عند الله من أن يبتليهم، ثم إذا ظهر عليهم مخايل الكبر والرياسة وطلب العلو والشرف قالوا: ما هذا كبر وإنما هو طلب عز الدين وإظهار شرف العلم ونصرة دين الله وإرغام أنف المخالفين من المبتدعين أو إني لو لبست الدون من الثياب وجلست في الدون من المجالس لشمت بي أعداء الدين وفرحوا بذلك، وكان ذلي ذلا على الإِسلام ونسي المغرور أن عدوّه الذي حذره منه مولاه هو الشيطان، وأنه يفرح بما يفعله ويسخر به، وينسى أنّ النبي بماذا نصر الدين وبماذا أرغم الكافرين؟ ونسي ما روي عن الصحابة من التواضع والتبذل والقناعة بالفقر والمسكنة، حتى عوتب عمر رضي الله عنه على زيه عند قدومه إلى الشام فقال: إنا قوم أعزنا الله بالإِسلام فلا نطلب العز في غيره.

(وفرقة أخرى) اشتغلوا بالوعظ والتذكير، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإِخلاص والصدق ونظائره، وهم مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات وهم منفكون عنها عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين، وغرور هؤلاء أشد الغرور لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإِعجاب.

(وفرقة أخرى) قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا فهم يحفظون الكلمات على وجهها ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها فبعضهم يفعل ذلك على المنابر، وبعضهم في المحاريب، وبعضهم في الأسواق مع الجلساء وكل منهم يظن أنه تميز بهذا القدر عن السوقة والجندية، إذ حفظ كلام الزهاد وأهل الدين دونهم ويظنّ أن حفظه لكلام أهل الدين يكفيه. وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم.

(وفرقة أخرى) اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبطونهم عن الحرام عند الإِفطار وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار، وهو مع ذلك يظن بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه وذلك غاية الغرور.