ليست أبيض وأسود فقط


تعبيرات وجهها تقول الكثير، فالخوف والحزن لا يليقان بفتاة في عمر الزهور لكن عقلها الكبير والذي يفوق سنها بمراحل جعلها تدرك الكثير من الأمور يغفلها كثيرون من أقرانها قالت لي ذات مساء: أصبحت أسمع أصواتًا غريبة، وتعبيرات لم أكن أتخيل أنني قد أسمعها في المجتمعات المتحضرة، وفي هذا الوقت بالذات.. ذلك الوقت الذي يشهد العالم فيه تطورا حضاريا، وعلميا، ومتسارعًا لم تشهده البشرية من قبل.. ففي الأعوام الأخيرة و في دول المشرق عامة، والعالم خاصة تنامى صوت ”الثقافة الفاضلة“، "والرأي المنزه” ورفض كل شيء مختلف سواء أكان رأيًا، أو ثقافة!! وتطورت المسألة إلى ردود فعل عنيفة أقلها اللفظية وأشدها المادية، والسلوكية، لمواجهة أي رأي مغاير، والأدهى وأمرُّ تلك الجدليات والنقاشات الحادة التي نسمعها تعكس غيابًا لمفاهيم الحوار بين المتناقشين ولا أعلم لماذا يكون رأيي صحيح؟! والآخر خطأ ولا يكون رأيَ الآخر صحيحًا ورأيي خطأ.. لماذا لا أحترم رأي شخص اجتهد حتى وصل لهذه النقطة دون أن أتبنى فكره فالعالم يتحمل أكثر من رأي؟ أذكر كيف كنا نتعايش سلميا قبل أعوام قليلة مع كافة الثقافات والأديان والآراء ونتقبلها بصدر رحب وبحس الدعابة كنا نتناقش حول اختلاف آرائنا دون المساس بأحد وبقلب صافٍ، ومحبة للجميع هذا المشهد أصبح من الغرائب - إن جاز التعبير - ، فبعد أن كنا نلقي التحية باطمئنان كامل ونحن نتواصل مع الآخر أصبحنا وقبل التحية، وبوجه متوجس نخاف من ردة فعل الآخر بعد أن نجيب على السؤال، أصبح البعض يسأل ما مذهبك؟ ومن أين أنت؟ وبعد هذا السؤال يقوم بتصنيفك ويحدد ما إذا كان سيواصل حديثه، أو سيتركك، وعلامات الاستفهام تعلو وجهك وتتساءل ماذا فعلت؟ هي ليست الوحيدة التي تتعايش الغربة في مجتمعها فالمشهد يتكرر في كل حدب وصوب نتيجة ضمور ثقافة التنوع والاختلاف إن جاز التعبير.

إنّ أجمل ما في الحياة التنوع في كل شيء، في الطبيعة، والثقافات، والاجناس، حتى الكائنات من نفس الفصيل، والنوع تتسم باختلافات بسيطة فيما بينها في اللون أو الشكل تزيدها تفردا وجمالا، أحيانا وفي لحظات التأمل اتخيل ماذا لو كنا نعيش في كون لا يوجد به تنوع في الطبيعة او الكائنات أو الألوان، على سبيل المثال ماذا لو أنه لا يوجد إلا لون واحد في الكون أبيض مثلا.. ماذا لو كان كل البشر عبارة عن نسخة واحدة مكررة؟ ماذا كان سيحدث لو أن كل إنسان موجود على هذه الأرض وباختلاف الأزمنة والأوقات يحمل نفس الثقافة والمفاهيم؟ ماذا لو كنا نأكل طعاما واحدا طوال حياتنا؟ ماذا لو كان بنو البشر يتساوون في مستويات ذكاءهم.. ألن نصاب بالرتابة والملل والضجر من هذا التشابه؟ مجرد أن تتخيل مشهد التشابه الكامل وتعيش للحظات وأنت تتخيل كيف ستكون نتائج التشابه ستدرك الحكمة من وراء الاختلاف.

فالاختلاف قاعدة في الحياة وليست استثناء، يقول علماء الطبيعة إن تنوع في الطبيعة ليست لمظهر جمالي بل يحقق التوزان الطبيعي فعلى سبيل المثال فإن ألوان الزهور واختلاف روائحها وأحجامها تجذب إلى كل زهرة النوع المناسب من الحشرات التي تعينها على أداء دورها الحيوي في الطبيعة، والأمر ذاته ينطبق أيضا على الاختلافات بين الكائنات الأخرى .

إن الاختلاف أحد السنن الكونية وقد نتج عنه تطور في العلوم والمعارف وبنيت الحضارات لأن الفرضيات العلمية تبنى على الاختلاف للوصول إلى حقائق جديدة لم تكتشف بعد.

واختلاف مستوى ذكاء البشر والتفاوت الذي بينهم هو السبب في تنوع مهاراتهم وقدراتهم ليؤدي كل إنسان ما يتسر له من أعمال، فهذا الاختلاف أوجد لنا الفنانين والمهندسين والأطباء والنجارين … لقد خلق الله الاختلاف في الصفات والقدرات بين الذكر والأنثى ليكملا بعضهما وهذا ما أثبته العلم.

والاختلاف نوعان نوع مذموم وهو الاختلاف الناتج عن النزعة الذاتية للتفرد والتميز عن الآخرين على حساب المصلحة العامة وهو ناتج عن التعصب في الرأي. أما الاختلاف المحمود هو الذي يكون نتيجة فهم مغاير للدلات اللفظية أو التعبيرية أو تفسير آخر للمعلومة وهذا النوع هو من باب الاجتهاد والذي عادة ما يؤدي إلى تطور العلوم.

ويرتبط مفهوم الاختلاف بالاستماع والإنصات والحوار والتسامح وقبول الآخر، ولا يتحقق ذلك إلا بالحوار والتواصل البناء، الذي يخلق تعددية فكرية وتنوع الأذواق و يسود في المجتمع حالة من الاستقرار والتعايش السلمي مهما اختلفت أعراق ومعتقدات أبنائه، كما يرتبط مفهوم السلام والأمن والاستقرار بالتسامح وقبول الآخر، فثقافة الاختلاف لا تعني الاقتناع بالرأي الآخر بل يعني قبول وجود رأي مغاير احترمه وبحسبة بسيطة وتأمل عميق في الكون ندرك لماذا خلق الله التنوع؟!

إن غياب الكثير من المفاهيم التربوية في العالم النامي في الأعوام الأخيرة كان السبب في ظهور مفاهيم التشبث بالرأي، فالبعض من الأسر ألقت مهمة التربية للمؤسسة التعليمية في حين أنها لم تعد تركز على التربية بل أصبح أكثر تركيزها على التعليم بالتلقين وبالتالي فإن تعليم الحوار وثقافة التنوع والتعددية الفكرية لا يمكن استيعابها في منظومات تعليمية تعتمد على التلقين لا على المعايشة، والتجربة والتفكير . إن قبول الاختلاف هو الطريق لحل الكثير من القضايا العالقة والشائكة بيننا في المجتمع بل يساعد على اكتساب مهارات وتطوير المستوى المعرفي من خلال التفكير والاستدلال بالحجج والبراهين. والاختلاف يحقق توزان الطبيعي في الحياة بل ويجددها.

معظم الدراسات العلمية تؤكد بأن تعلم الطفل مهارات الحوار والتعبير وقبول الآخر يكون من الأسرة خصوصا الأبوين فهما يعدان القدوة وهذه المفاهيم تغرس في نفوس الأطفال في سن مبكرة لا تتجاوز ٧ سنوات. أمّا بعد ذلك فإن المجتمع والمدرسة، والأصدقاء والتلفاز وغيرها من الوسائل هم الأكثر تأثيرا في تكوين الشخصية وصقلها.

العلامات: