في الحلقة الخامسة من شاعر المليون في موسمه السابع: 3 شعراء من السعودية وشاعران كويتيان يتأهلان للمرح

سامي التميمي بـ85%، ومسلط بن سعيدان بـ 56 % بتصويت الجمهور

وإلى مرحلة الـ24 لجنة التحكيم تؤهل 3 شعراء:

مطلق الفزران بـ49 درجة، وضاري الرميح ومحمد السكران بـ48

ثلاثة شعراء من الحلقة الخامسة ارتقوا مرحلة، وباتوا أقرب إلى البيرق مع انتقالهم إلى المرحلة الثانية (مرحلة الـ 24) من مسابقة "شاعر المليون" بموسمها السابع، فكان لكل من مطلق محمد سعد الفزران، وضاري مشعل خليفة البوقان الرميح من الكويت، ومحمد بن عمر السكران من السعودية؛ نصيب من بطاقات لجنة التحكيم التي منحتهم أعلى الدرجات، فكان لمطلق 49 درجة من 50، ولضاري 48، ولمحمد مثلها أيضاً، وبقي شاغر واحد لشاعر من بين الشعراء الخمسة المنتظرين نتائج التصويت مساء الثلاثاء القادم. لكن عليه أن يحصل على أعلى نسبة تصويت من الجمهور.

ومع بداية الحلقة الخامسة كان ستة شعراء من الحلقة الماضية (الرابعة) بانتظار نتيجة تصويت الجمهور. بدأ المقدم حسين العامري بأبيات للشاعر والناقد حمد السعيد. في حين رحبت المقدمة مريم مبارك بالجمهور الذي وفد إلى المسرح من كل دول الخليج العربي؛ فقط من أجل الاستمتاع بالشعر ومتابعة الشعراء، سواء الذين كانوا بانتظار مفاجأة الحلقة، أو المشاركين في حلقة الأمس الجدد.

قبل البدء بمجريات الحلقة الخامسة وقف شعراء الحلقة الماضية استعداداً لتلقي نتائج التصويت عبر الـSMS، وهم: حامد الحويطي، سامي صالح العرفج التميمي، محمد بن هضيب، ناصر الشفيري، يونس العيد، مسلط ناصر بن سعيدان.

لكن اسمين فقط تم الإعلان عن فوزهما حسب قانون المسابقة، فانضم إلى قافلة الشعراء المتأهلين للمرحلة الـ24 سامي صالح العرفج التميمي من السعودية بدرجات وصلت إلى 85%، وكذلك مسلط ناصر بن سعيدان من السعودية بـ56%، ليتمكنا إلى جانب زينب البلوشي وبدر الكبيح اللذين اختارتهما لجنة التحكيم من إكمال مشوار الشعر في أبوظبي عن الحلقة الرابعة.

أمسية الشعر

ليلة أمس كانت طافحة بالشعر والصور، بجمال التراكيب، وتميز البناء، وإلى جانب ذلك كله أداء الشعراء الذين تمكنوا جميعهم من حصد إعجاب جمهور المسرح، ولا شك الجمهور المتابع عبر شاشتي أبوظبي الأولى وبينونة، إذ كان الشعر سيداً بكل معنى الكلمة، فحاز الشعراء الثمانية على إعجاب أعضاء لجنة التحكيم الذين ما فتئوا طوال الحلقة يشيدون بما ألقى الشعراء، سواء في أبيات المقدمة، أو قصائد المشاركة التي أثبت الشعراء المشاركون من خلالها أنهم متمرسون في كتابة الشعر النبطي، سواء لسرد تجاربهم الشخصية، أو لتمثل شخصيات ما، أو لنقل مشاعرهم المرتبطة بالمحبوبة أو بالوطن الذي ينتمون إليه أو المتعاطفون معه ومع أهله.

هكذا جاءت قصائد ليلة أمس، مليئة بالحس العالي تجاه الحرف والإنسان والأوطان، وكأنما مسرح شاطئ الراحة بكل من فيه وما فيه يحرّض الشعراء على استعادة ما في بواطن عقولهم تجاه الواقع والأحداث، فهم لم ينسوا هموم العرب وما يعيشونه من أحداث أليمة، وتفاعلوا معها أيما تفاعل.

لكن قبل رحلة الشعراء عرضت قناة أبوظبي وقناة بينونة تقريراً حول الصبر، أي معناه بالنسبة لكل شاعر من شعراء الأمسية، ومن هي الشخصيات التي يعتبرونها رموز الصبر، ومتى يكون الإنسان بحاجة إلى الصبر لتخطي الصعاب.

ثمانية شعراء جدد

ليلة أمس قدم ثمانية شعراء إبداعهم، وهم الذين جاءوا متنافسين بغية الاستمرار في رحلة الحصول البيرق، فاعتلى خشبة المسرح كل من إبراهيم سعيد عبدالهادي العجوري من الأردن، ضاري مشعل خليفة البوقان الرميح من الكويت، طلال سعيد نشيرا المري من قطر، ومن السعودية فهد الشهري، ومحمد بن عمر السكران، ومسهوج عبدالله الشمري، وكذلك مطلق محمد سعد الفزران من الكويت، وأخيراً منذر علي محمد الفطيسي من سلطنة عُمان.

العجّوري.. عاطفة متوهجة

أول شاعر كان على موعد مع عشاق الشعر النبطي هو إبراهيم سعيد العجّوري، وقبل أن يلقي قصيدته، بدأ بأربعة أبيات حول الأردن وبني هاشم، فجاءت أبياته الأولى تحية للشهيد الأردني راشد الزيود، ثم ألقى قصيدة عنوانها (لوحة ألم)، التي كان موضوعها في الحوداث المرورية، والمآسي التي تخلفها، مستعيداً قصة سحر الطفلة التي خسرت حياتها، وبات ذويها يعيشون ألم الفقد وعذاباته:

ألا يا رعشة أضواء الشّوارع وش بقى تفسير إذا نار الفرح بغته رياح الموت تطفيها

مطر دمع السّحايب والهبايب نافخات الكير مراكب حلمنا تغرق على أبواب شاطيها

يبس غصن القصايد وانكسر جنح الأمل بالطير تعب أثقل جفون الكون وامتدّت لياليها

ألم يحرث بساتين الفرح ويبعثر النّوير تنام بعيننا دمعة مشاعرنا تصحّيها

سحر طفلة تلاقي النّور في قبلة صباح الخير يداعبها الشّجر من حسنها غصنه يناغيها

هنا كانت مع الاطفال تشرب من مياه الزّير ملت صدر الفضا ضحكاتها خفّة خطاويها

يداهمنا الفراق وما عطانا ابرة التّخدير هدم روح الرجا في روح صافي صفوها فيها

براءتها ضحيّة قاطرة في شارع التّصدير خذاها الموت ما خلّا سوى مشهد غواليها

مدامع امها معول حفر في صدرنا التأثير إذا ضمّت كمر فستانها وسوار يدّيها

شعور الأبّ يمطرنا تساؤل لين فاض البير على بيد الورق صرخة صداها في معانيها

سحر لوحة الم قصّة حزن تستوجب التفكير يضيق القلب لا طاف الفكر مع غيم ماضيها

نعم أكبر بلاوينا سبايبها حوادث سير تهوّر يحصد الأرواح ما يرحم أمانيها

هنا مقعد.. هنا أعمى.. خطا ما يقبل التبرير نتيجة ثلة استهتار واجبنا نوعّيها

ألا يا مجتمع هبّوا تعالوا نحدث التغيير نحلل علة الشّارع وبالحكمة نداويها

إلهي ليت يد الحل تدفن جثّة التقصير ثقافة جيلنا واجب على الإسلام نبنيها

د. غسان الحسن قال في النص الذي ألقاه إبراهيم: إن الأبيات الأربع الأولى في القصيدة جاءت في قمتها، وفي عطائها الشعري، والعاطفة المتوهجة، وكانت مليئة بالكآبة والحزن، وكأنما عبارة (ألا يا رعشة أضواء الشّوارع) جاءت إرهاصاً لما يدور في الشوارع، وللمأساة التي يتحدث عنها الشاعر، (رعشة أضواء الشّوارع، رياح الموت، السحاب، دمع، نافخات الكير، يبس غصن القصايد، القصب جنح الأمل)، ثم نكتشف أن "سحر" الطفلة التي كانت تلهو مع أقرانها ذهبت ضحية حادث في شارع التصدير كما قال الشاعر، والذي ينتقل إلى الحديث عن مشاعر الوالدين، ثم عاد إلى تأثير الأسى والمأساة عليهما، ثم عاد إلى "سحر" مرة أخرى، وكأنما يريد استنهاض المشاعر. أما الأبيات الأربعة الأخيرة، أي من البيت (نعم أكبر بلاوينا سبايبها حوادث سير)، إلى البيت (ثقافة جيلنا واجب على الإسلام نبنيها) بدأ الشعر يهبط في القصيدة، بسبب الاستنتاج المنطقي للحادثة التي وقعت. فالشاعر لو بقي في التصوير الرائع الموجود في بداية القصيدة حتى ثلثها لكان يكفي، وبالتالي لم يكن إبراهيم بحاجة إلى استكمال الموضوع بالنصائح، بقوله: (سبايبها حوادث سير، نتيجة ثلة استهتار، نحدث التغيير )، وأضاف د. الحسن أن الاستنتاج ليس مهمة الشاعر، إنما عليه أن يعطينا عواطف ملتهبة، ونحن علينا أن نستنتج.

سلطان العميمي أشار إلى اللفتة الإنسانية من قبل الشاعر حول مأساة طفلة ذهبت ضحية حادث مروري، وقال: إن القصيدة تعتمد في جزء كبير منها على العواطف، وخاصة الحزن. ولاحظ العميمي وجود تكثيف للمفردات الدالة على الحياة في النص، والذي تمثل في جانبين، أولهما الماء، واستدل عليه بالمفردات (الماء، المطر، الدمع، سحاب، بير، سماء)، بالإضافة إلى الاخضرار الذي جاء في مفردات (غصن، النوير، الشجر)، وتوظيفهما، وهي مفردات مرتبطة بالحياة البشرية التي أشار إليها الشاعر في جانبيها من خلال الطفلة.

لكن العميمي تمنى لو أن الجزء الأخير من القصيدة كان أكثر عمقاً وشعراً وفكراً، فقبل تلك الأبيات كانت الشاعرية حاضرة بقوةلافي النص. ثم أشار كذلك إلى ملاحظة حول ما جاء في البيت الأول (نار الفرح)، فلم يأتِ الوصف في محله.

الناقد حمد السعيد أشار إلى أن الشاعر وصل إلى مسرح شاطئ الراحة بعد أربع محاولات. وفي وصف النص قال السعيد إنه إنساني وراقي، وكأنما الشاعر يريد مناقشة قضية الحوادث المرورية، وما تخلفه من عاهات (هنا مقعد.. هنا أعمى.. خطا ما يقبل التبرير). وبالنسبة للأبيات الأربع الأولى - فإنها - في أي نصِّ وضعت ستكون مناسبة. كما علق على عبارة (نار الفرح) التي لا تطفئها الرياح عادة كما جاء في النص.

وأكد السعيد أن اللجنة تبحث عن الصور الشعرية الناضجة في مثل النصوص التي يقدمها شعراء الحلقة والمسابقة. دالاً على أحد الأبيات الجميلة التي أشاد بها: (مدامع امها معول حفر في صدرنا التأثير/ إذا ضمّت كمر فستانها وسوار يدّيها)، والبيت (شعور الأبّ يمطرنا تساؤل لين فاض البير/ على بيد الورق صرخة صداها في معانيها). في حين بدا ولو أن الشاعر لم يتعب في كتابة أبياته الأخيرةالتي جاءت بشكل نصائح. ومع أنه اجتهد قليلاً في البيت الأخير (إلهي ليت يد الحل تدفن جثّة التقصير/ ثقافة جيلنا واجب على الإسلام نبنيها)، إلا أن الصورة (جثة التقصير) غير موفقة مقارنة مع الحلول التي وضعها الشاعر لأزمة السير. لكن النص إنساني وجاء من شاعر راقي.

الرميح.. قصة تفوق وإبداع

ثاني شعراء الأمسية كان ضاري البوقان الرميح، الذي شارك بقصيدة حول مشاركته في مسابقة "شاعر المليون"، وحسب الناقد سلطان العميمي فقد نجح الشاعر وتفوق في خلق وإبداع قصة ملئية بالشعر جاء فيها:

تخطى القلم بإحساس مفعم على القرطاس قبل لا يغيب الحلم وأبكي على غيابه

تبسّمت في وجه الأماني وضاق الياس لو أن المسافة تجهد الصبر وركابه

تعبت أتبع الفرحة وأرتب لها الأنفاس على نزف ناي الوقت لا ضاقت رحابه

أنا كنت خلف الناس لكن زَحَمْت الناس وتعديت في خطوات ماهي بمرتابه

طويت الظلام ولا بقى بالحروف نعاس بجابه جفاف الليل وأروى من أتعابه

يأنّبني إلهامي على مدة المجلاس وتنتابني رعشه والإبداع ينتابه

تعنيت لي غاية ما هي غاية العساس معي قلب من كبر الهقاوي على أعصابه

أحس إني الليلة معاكم غريب إحساس أبي من سمع قلبي يتوجني إعجابه

دخلت القصر واجتزت ما تطلب الحراس وتشرفت بمصافح أهاليه وأبوابه

كساني بنوره والحقيقة ما بين أقواس تقوست بستقبل شذى الشعر بأطيابه

أسير الأمل وأسير لا هفهف النسناس على الحلم لو العلم بتكشّر أنيابه

فهقت الظروف بطيب راس وصلابة باس شعور التفاؤل فاق حزني ومحرابه

عقب ما لقيت أحرار بعيونهم نوماس ما فيهم من بوجهه تعابير كذابه

فيا أصحابي الغالين لا دندنت الأجراس لكم سيف لا من سلّ ما يخذل أصحابه

بعد إذنكم عندي مع المجد كلمة راس وبإذن الله أنهيها على راس مرقابه

وأضاف سلطان العميمي: تميزت القصيدة بالتفاصيل والتصاوير متميزة، في حين تميز الشاعر بحضوره وإلقائه وتفاعله مع الأبيات الذي أضاف للقصيدة ألقاً آخر. مؤكداً أن الصور الموجودة في القصيدة يمكن قراءتها من زوايا عديدة، والنظر إلى جوانب الجمال الكثيرة المتحققة فيها، تلك القصيدة التي تتميز بتماسكها من بدايتها إلى نهايتها، حيث البناء متقفن، والحبكة مميزة.

وأشار العميمي إلى وجود كثير من الدلالات الحركية في النص الذي يتحدث عن مشوار ضاري في المسابقة، من البداية وحتى القمة التي يريد الوصول إليها، وبان ذلك في المفردات (تخطى، المسافة، تعبت) وغير ذلك.

وما أعجب الناقد الثقة التي يملكها الشاعر، وكذلك روح التنافس والتصميم على الفوز واحترام زملائه الشعراء. أما البيت (دخلت القصر واجتزت ما تطلب الحراس/ وتشرفت بمصافح أهاليه وأبوابه) فذكّر العميمي بأجواء ألف ليلة وليلة، كما أعجبه التوظيف لدخول الشاعر المنافسة في شاعر المليون، وقال إن القصيدة فيها كثافة واضحة في التصاوير والصياغات المتميزة التي تلفت الانتباه مثل (سمع قلبي)، إضافة إلى المحسنات البديعية الكثيرة، مثل: (أسير الأمل وأسير لا هفهف النسانس)، و(أسير، وأسير) هو جناس تام بمعنيين مختلفين.

حمد السعيد حيا الشاعر على حضوره وشاعريته الفذة، كما حيا والد الشاعر الذي كان في المسرح، واعتبر أن هذا الأمر أجمل تتويج للشاعر.

ثم أشار السعيد إلى أن موضوع القصيدة الذي تناوله الشعراء كثيراً، غير أن ضاري جاء به بشكل مختلف، وهنا مكمن الشعر، حيث كانت الصور الشعرية لافتة، ولم يقلها أحد قبل الشاعر ضاري، كما الحال بالنسبة للبيت (تعنيت لي غاية ما هي غاية العساس/ معي قلب من كبر الهقاوي على أعصابه) فتوظيف الشاعر للمسابقة بالشكل الذي جاء فيه إنما يدل على حرفة شاعر.

كما أعجب السعيد بالبيت (أنا كنت خلف الناس لكن زَحَمْت الناس/ وتعديت في خطوات ماهي بمرتابه )، والأبيات الأخيرة التي بينت احترام الزملاء في المسابقة وتشبيههم بالأحرار (عقب ما لقيت أحرار بعيونهم نوماس/ ما فيهم من بوجهه تعابير كذابه)، وكأن الشاعر يمثل سيفاً لأصحابه. وهذا ما تتمناه اللجنة، أما الختام فقد مسكٌ، وذلك من خلال البيت (بعد إذنكم عندي مع المجد كلمة راس/ وبإذن الله أنهيها على راس مرقابه).

وعموماً القصيدة تستحق الإطراء من قبل العميمي والسعيد؛ كما قال د. غسان الحسن، وهي التي أشعرته منذ البداية أن فيها توهجاً عظيماً، وكأن الكلمات التي جاءت فيها ليست هي المقصودة، وبالتالي تمثل عالم جميل من التصوير الذي شعر به المستمع أو القارئ من خلال المشاعر والأحاسيس، أكثر مما شعرها من الكلمات ومن تتبع معانيها المعجمية، وقال الحسن: (أشعر وكأن وراء هذه القصيدة عالم جميل صوره الشاعر الذي فهمنا أوله وآخره وخطاويه من خلال الصور التي دبّجها الشاعر في كل الأبيات الرائعة).

من جهة أخرى أشار د. الحسن إلى تركيب العبارات الشعرية، سواء بقصد أو من دون قصد، أي السجع داخل الأبيات، مثل (تخطى القلم بإحساس مفعم على القرطاس)، فجاء ذلك في الشطر الواحد، وبالتالي فإن الموسيقى التي نتجت عن السجع هي موسيقى داخلية جميلة جداً، وكذلك في كل من (أنا كنت خلف الناس لكن زَحَمْت الناس)، (على الحلم لو العلم بتكشّر أنيابه)، (فهقت الظروف بطيب راس وصلابة باس)، وفي البيتين الأخيرين كان يصور الشاعر أصحابه الشعراء، لكن الجمال في الموضوع أن الود معهم لم يلغِ ولا يلغي حب الذات، فالشاعر بينهم استفرد بذاته، وذهب لتحقيق حلمه (بعد إذنكم عندي مع المجد كلمة راس/ وبإذن الله أنهيها على راس مرقابه)، وهذا معناه أنه يريد أن يكون في البداية، وهكذا جاء الانسلاخ من الجماعة إلى الفرد جاء في غاية الروعة.

المري.. موهوب وجزل

مع طلال النشيرا المري كان للجمهور موعد، وهو الذي حل ثالث شعراء الأمسية، وألقى قصيدة غزلية بفتاة منعه المجتمع من الارتباط بها، فقال:

على الله كل ماخذني الطريق وجيت درب العين على الله كل ما يطوي الطريق وقلبي أقدامي

طريقٍ كل ما مره وأنا ضايق مع السالين أدنّق كنّي أدور غريب فلست أرقامي

عزمني الشوق في حفلة فراق وجمّع الباكين وكان الدمع تذكرة الدخول لسهرة آلامي

وتبادلنا السلام وكل كرسي كان فيه اثنين الأول يسرد همومه والآخر سمعه إلزامي

وبديت أشكي عنا رحلة غرامٍ عمرها سنتين ثمنها ما بقى عندي شعور لباقي أعوامي

وهجيت عقول ما زالت تعيش الجهل لين الحين أنا عاشق وأعبد الله وكاسر مبطي أصنامي

أنا مسلم ولي مطلب صريح وتحت شرع الدين عسى ربي يحقق مطلبي ويضحك أيامي

سريت بدون لا أستأذن وناموا معظم السارين أعيش الحزن في قمة حفيت ويمطر الهامي

مثل شمس الحياة إنتي بعد ليلة ظلام تجين يا وجهٍ كل ما خبره وراي يصير قدّامي

مثل ليلى من دموعي تعالي حنّي الكفين ومثل عنتر تذكرني بثغرك لمعة أقلامي

أبوعد قلبك الأوفى ولو شانت ترا بتزين مع إني ما ملكت إلا القصيد وقوة عظامي

تحلي بالصبر باقي مسافة حبكة البيتين تحلي قدني ف أرض الكريم ومسقي الضامي

يقيني وين ماخذك الغياب وتارك التخمين تعال أرجوك عبّد لي الطريق وبدد أوهامي

ولو هالمجتمع يقتل شعوري بين حين وحين ما فيه إنسان في هذي الحياة بيقتل أحلامي

(جسد الشاعر معاناته في ذلك القالب الشعري الراقي الذي قدمه الشاعر). هذا ما قاله الناقد حمد السعيد، مثنياً على الجمهور المتذوق الذي صفق للشاعر عن البيتين: (طريقٍ كل ما مره وأنا ضايق مع السالين/ أدنّق كنّي أدور غريب فلست أرقامي)، و(مثل شمس الحياة إنتي بعد ليلة ظلام تجين/ يا وجهٍ كل ما خبره وراي يصير قدّامي)، حيث جاء التصوير فيهما جميل جداً، وخاصة (متل شمس) التي تمثل إحساساً رائعاً. ثم وصف السعيد الشاعر بالمبدع، سواء لقصيدته كاملة، أو لبيته (ولو هالمجتمع يقتل شعوري بين حين وحين/ ما فيه إنسان في هذي الحياة بيقتل أحلامي)، ولإسقاطه في البيت (مثل ليلى من دموعي تعالي حنّي الكفين/ ومثل عنتر تذكرني بثغرك لمعة أقلامي) الصورة التي تذكّر بأبيات عنترة بن شداد:

ولما تلاقينا على سفح رامة... وجدتُ بنان العامرية أحمر

فقلت خضبت الكف بعد فراقنا؟.. فقالت معاذ الله ذلك ما جرى

ولكنَّنِي لما وجدتُكَ راحلاً.. بكيتُ دماً حتى بللت به الثرى

مسحت بأطراف البنانِ مدامعي.. فصار خضاباً في اليدين كما ترى

أيّد د. غسان الحسن ما قاله كل من العميمي والسعيد فيما قدم الشاعر. مضيفاً أن جمال النص يأتي من كونه يتحدث عن تجربة واقعية مر فيها الشاعر، وما استخلصه منها. ثم إن الشاعر في كثير من الأبيات رمى المسؤولية على المجتمع، وهذا يحيلنا إلى أن القضية المانعة كانت اجتماعية. وأكد الحسن أن أبياتاً كثيرة في النص جاءت عالية المستوى، من بينها (مثل شمس الحياة إنتي بعد ليلة ظلام تجين/ يا وجهٍ كل ما خبره وراي يصير قدّامي) الذي يدل على تجربة حقيقية، لكن البيت الذي سبقه كان قليل الشاعرية، وهو: (وبديت أشكي عنا رحلة غرامٍ عمرها سنتين/ ثمنها ما بقى عندي شعور لباقي أعوامي)، أما البيت (وهجيت عقول ما زالت تعيش الجهل لين الحين/ أنا عاشق وأعبد الله وكاسر مبطي أصنامي) فهي صورة تقريرية، وبالتالي القواعد التي وضعها الشاعر كان يمكنه الاستغناء عنها، فالمستمع يصل إلى ما يريد صاحب القصيدة من دون توجيه. ونصح الناقد أن يترك الشاعر المتوهجَ في القصيدةِ متوهجاً.

سلطان العميمي قال إنه أول مرة يسمع قصيدة في المسابقة يتقدم شاعر من خلال لخطبة فتاة، وأضاف إن طلال شاعر موهوب وجزل، حتى الإلقاء والتفاعل مع الأبيات أضاف للقصيدة جمالاً. معتبراً أن البيت: (وتبادلنا السلام وكل كرسي كان فيه اثنين/ الأول يسرد همومه والآخر سمعه إلزامي) هو وحده قصيدة، كما أن البيت: (أعيش الحزن في قمة حفيت ويمطر الهامي) فيه تصوير شعري جميل. ورأى العميمي أن القصيدة من مطلعها إلى حبكتها وحتى خاتمتها جاءت جميلة، وفيها توازن من حيث طرح الأبيات والبناء، فثمة شعر سهل ممتنع في ذلك النص، ووثمة ابتكارات ودهشة وتصوير شعري رائع. وبشكل عام كل الأبيات بما فيها من تنوع شعري تستحق الثناء.

الشهري.. شعرية رفيعة المستوى

مع (شتاءات الأسى) التقى الجمهور بالشاعر فهد ظافر الشهري، لكن قبل أن يلقي نص المسابقة؛ ألقى مدخلاً من أربعة أبيات فقال:

من مهبط الوحي دار مزبّنين الدخيل لا مهبط الشعر والنوماس والمرجلة

المسألة ما هي مجارى بحور الخليل ولا هي بمليون درهم لكن المسألة

إني أمثل بني شهر الكرم والجميل وابني شهر قسمها في المرتبة الأوّله

نذر علي بإذن ربي لا صنع المستحيل وأجتاز كل المراحل مرحله مرحلة

ثم ألقى (شتاءات الأسى) التي تحدثت عن مأساة السوريين، وما يعشيونه من عذابات، وما يعايشون من موت

محقق، منتقلاً الشاعر بين الزمان والمكان، فجاء نصه مفعماً بمشاعر جدّ حزينة. لكن ما أضاف للنص التميز هو الإلقاء.

شتاءات الأسى تمتد من تشرين لَ تشرين رذايذها قنابل والسحايب أعمدة دخان

هبايبها ليا هبت من الفسفور والسارين ينابيع الدماء أبرز معالمها لحد الان

هنا الأشجار تثمر بالرماد أقفت ثمار التين هنا لون الحياة بدون ما أبالغ بدون ألوان

هنا تسقط براميل الأجل تجهز على الناجين هنا ابن اللات يرقص والموسيقى كذبة حزيران

هنا الأحياء تساورهم شكوك إنهم بعد حيين هنا الدفّان لا أصبح يدفن اللي بالمسا دفّان

هنا الانسان يتلاشى إلين إلين إلين إلين ما تبقى له ملامح تشبهه من كثرة الحرمان

هنا شيبة على الشارع بلغ بالعمر خمس سنين ألا يا شيب عيني في مضايا شابت الولدان

هنا جوع أو مضايا أو مضايا الجوع هالإسمين تشابه في الصفات المؤلمة والفرق في الايمان

عيون الغبطة تطارد جياع اليوم واليومين إلين أصبح ترفهم في رصاصه تنهي الأحزان

عيون الطفل تصرخ عنهم للناس جوعانين؟ ولو قلت أنت ويش اسمك يقول اسمي أنا جوعان

صغيري يا صغيري والأسى ما بين حين وحين مدامك تفقد اللقمة ترانا نفقد السلوان

صغيري والقوى العظمى لها موعد بيوم الدين مصير الخصم يلقى الخصم عند الواحد الديّان

توحّى للسما وأبشر بقرب النصر والتمكين مفاتيح الدعا يفتح بها الله للفرج بيبان

عقد سلمان عزمه مع خليفه والوعد تشرين ما دام اللي يقود الجيش أبو خالد وأبو سلمان

د. غسان الحسن أشاد بتفاعل الشاعر مع النص بشكل مبهر، ما أثمر عن خيالات وصور بعضها جميل وبعضها صادم، وهي التي عبرت عن حقيقة الأمر الذي يتحدث عنه الشاعر، لأن الواقع هو صادم فعلاً، ولذلك نجد مفردات (الأسى، قنابل، والسحايب أعمدة دخان، الفسفور والسارين، ينابيع الدما، الشارين، الأشجار تثمر بالرماد). أما تركيب الصور فيه الكثير من الجمال، ذلك أن المأساة تشمل كل شيء حي وجماد، من الحجر والشجر والسماء والإنسان.

والملاحظ أن الشاعر ذهب من عموم المأساة التي تحدث فيها في بداية النص إلى خصوصها، أي عندما التقى بحالة في الحالات التي تأثرت بالمأساة، وما ما اتضح في البيت: (هنا شيبة على الشارع بلغ بالعمر خمس سنين/ ألا يا شيب عيني في مضايا شابت الولدان)، والشيبة هو طفل تبدلت ملامحه وكأنه شايب بسب ما حدث. وهذا تخصيص جزئي.

لكن في الأبيات التالية التي جاءت فيها مفردة (مضايا) فكان التخصيص مكاني، وهذا من أسباب توفيق الشاعر بالقصيدة، أي أنه ذهب إلى مكان خاص سمعنا وعرفنا أن مأساته كانت بسبب الحصار والجوع القاتل الذي ذكره الشاعر خمس مرات لفظاً، (جوع، جوعان) وغيرهما من دون تغيير. حينها سأل الناقد ذاته هل كان ذلك جيداً أم لا، خاصة وأن الشاعر يملك الكثير من المفردات؟ لكن الدكتور وجد أن تكثيف الكلمات بتلك الصورة التي جاء بها الشاعر؛ إنما تدل على تكريس المأساة المتمثلة في الجوع في تلك المدينة، ولذلك أشبعنا بها لتخيل ما كان يحدث.

أما البيت الأخير (عقد سلمان عزمه مع خليفه والوعد تشرين/ ما دام اللي يقود الجيش أبو خالد وأبو سلمان) فقد جاء بعد أبيات الدعاء، ومع أن البيت بدا أنه أداء واجب، لكن ثمة ارتباط بينه وبين ما قبله، وذلك عندما طلب الشاعر من الناس الدعاء. فبَانَ وكأن الله قيض هؤلاء الرجال لانقاذنا من تلك المأساة.

ومن جهته أكد سلطان العميمي على جمال النص الإنساني وتميزه، إذ أنه مكتوب برؤية شاعر لديه من الوعي ما مكنه من طرحه بصورة إنسانية وشعرية رفيعة المستوى، وهذا الأمر يميز الشعراء الذين يكتبون بذلك الإحساس، فيما يذهب سواهم إلى النظم التقريري المباشر. والشاعر هنا تحدث عن الموضوع من دون أن ينسى الشعر، وبتصوير بديع ورائع، مضيفاً: الأبيات التي تستحق الإشادة والإشارة إليها كثيرة، كما الأمر بالنسبة للبيت: (هنا الأشجار تثمر بالرماد أقفت ثمار التين/ هنا لون الحياة بدون ما أبالغ بدون ألوان ).

فالشاعر جعلنا نعيش المشهد والحزن؛ مثلما قال الناقد حمد السعيد. وما ميز النص ويؤكد حرفة الشاعر تأخير الإفصاح عن موضوع القصيدة حتى البيت السابع، من خلال مفردة (مضايا) التي تجذب المتلقي. وأضاف السعيد أن الكثير من الأبيات تكشف عن جمال النص، مثلما هو البيت (هنا الأحياء تساورهم شكوك إنهم بعد حيين/ هنا الدفّان لا أصبح يدفن اللي بالمسا دفّان)، وكذلك البيت (عيون الغبطة تطارد جياع اليوم واليومين/ إلين أصبح ترفهم في رصاصه تنهي الأحزان) يصف الحالة بشاعرية مميزة. وبشكل عام أبيات القصيدة بدءاً من مطلعها جميلة.

التميمي.. شاعرية فذة

إلى قصيدة محمد السكران التميمي، وإلى استحضاء التاريخ بشخوصه الذين تركوا أثراً في حياة المسلمين، بدءاً من الرسول الكريم، وصولاً إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ثم إلى خالد بن الوليد سيف الله المسلول.

ففي القصيدة التي ألقاها في مسرح شاطئ الراحة كشف الشاعر عن جرحه ووجعه وما آلت إليه حال البلاد متمثلة في بغداد والشام، وغيرهما، فقال في نصه:

في مبرك "القصوا" وقفت وقلت بالصوت الحزين الله يرحم حال الأمه من فعول أنجاسها

مشيت بين القبر والمحراب مكتوف اليدين كنّي قصيدة مات شاعرها على قرطاسها

أدوّر بروضة رسول الله بقايا الصالحين عندي شعور إن الصحابة ما تموت أنفاسها

تكفى يا بو حفص انتهض من قبرك المشهور لين أعرض عليك النايبات اللي شربنا كاسها

اليوم سفاح الدما سموه أمير المؤمنين الله يشرّف بردة الفاروق عن لبّاسها

في وقت فيه المسلمين يقاتلون المسلمين مصيبةٍ دقت على الشرق الحزين أجراسها

الشام مهد الأنبياء صارت مناخ المجرمين تقولّي وش حاسها؟ مدري وش اللي حاسها

بس أعرف إن في كل يومن تفقد الفيحا ضنين لين فقدت من كثر ما تفقد ضنين إحساسها

بغداد خيمه في ضفاف الحزن يطرقها الحنين الجو ما هو جوها والناس ما هم ناسها

سيف الله المسلول يمسح دمعته ف الضفّتين كنّه ما كبر وسطها ولا كسب نوماسها

أنا فجعتك بس قبل أروح عندي كلمتين فيها بصيص من الأمل والقايدين أقواسها

يوم سرقوا من أمة الإسلام خاتمها الثمين واستنزفوها ولبست ثوبٍ مهوب قياسها

وقّف لها سلمان أخو نوره بوجه الطامعين وأقدم ولد زايد يقول النار من مقباسها

تداركوها وأوقفوا للشر بالجنب المتين هذي صناديد الرجال اللي قويٍ باسها

المشهد أكبر منك يا هاجوسي وعذرك سمين عجزت فيها وأنت عنترها وأبو نواسها

الناقد سلطان العميمي وجد حضور الشاعر جميلاً، وكذلك وعيه وتفاعله مع أبيات نصه الذي يحفل بتصوير رائع. مشيراً إلى استحضار النص للفاروق عمر بن الخطاب بشكل موفق وبقصد الشكوى والتفريغ عما يجول في النفس تجاه ما آل إليه الحال في بعض الدول العربية، فاستحضار الشخصيات الراحلة المهمة هو تقليد درج عليه الشعراء. ومن جهة أخرى تمثل الحل بما جاء في البيت (وقّف لها سلمان أخو نوره بوجه الطامعين/ وأقدم ولد زايد يقول النار من مقباسها)، أي الشخصيات الذين نعلق عليها الآمال. والنص كما قال جاء مزدحماً بالشخوص، إذ أشار الشاعر إلى سبع شخصيات تاريخية وحديثة بصورة مباشرة، ومن بينها الرسول الكريم، الفاروق، سف الله المسلول، والشيخ خليفة، والملك سلمان، وأشار كذلك إلى أشخاص لكن بصورة عامة، كما بالنسبة لمفردة (المسلمين). وهذا الازدحام بالشخصيات خلق تنوعاً جميلاً من خلال الصور الشعرية التي صنعها الشاعر.

حمد السعيد حيا التميمي على ما قدمه، وأشاد بالموضوع الحساس الذي طرحه، مؤكداً أننا بحاجة إلى مثله، فالقصية برزت في مدخل النص (في مبرك "القصوا" وقفت وقلت بالصوت الحزين/ الله يرحم حال الامه من فعول أنجاسها)، إذ عرض الشاعر حال الأمة المأساوي، وجاء االاختيار موفقاً، أما البيت (أدوّر بروضة رسول الله بقايا الصالحين/ عندي شعور إن الصحابة ما تموت أنفاسها) فكأن له صلة بالبيت (وقّف لها سلمان أخو نوره بوجه الطامعين/ وأقدم ولد زايد يقول النار من مقباسها)، وهذا ربط جميل، في حين أوضح الشاعر الجريمة بإطلاق مسمى "أمير المؤمنين" على السفاح ، وهو ما ورد في البيت (اليوم سفاح الدما سموه أمير المؤمنين/ الله يشرّف بردة الفاروق عن لبّاسها). كما صور البيت (بس أعرف إن في كل يومن تفقد الفيحا ضنين/ لين فقدت من كثر ما تفقد ضنين إحساسها ) المشهد في الفيحاء، أي الشام، لكن أجمل اختصار ووصف لبغداد تجلى في البيت (بغداد خيمه في ضفاف الحزن يطرقها الحنين/ الجو ما هو جوها والناس ما هم ناسها). منتهياً إلى أن النص كله جميل، ويدل على شاعرية فذة، وحضور رائع للشاعر.

د. غسان الحسن قال إن موضوع القصيدة يسر الخاطر، والشعراء في هذه الدورة من المسابقة مشغولين به، ما جعل النصوص العاطفية تتوارى، من أجل الذهاب إلى هذا الموضوع يهم الشعب العربي والأمة، وذلك شعور نبيل من الشعراء. وبين الالنقد أن لكل شاعر أسلوب في طرح القضية، فالشاعر هنا استعمل الكناية، أي بدَل التصريح بالشيء مباشرة، فقال التميمي (في مبرك "القصوا" وقفت وقلت بالصوت الحزين/ الله يرحم حال الأمه من فعول أنجاسها)، والقصوا دلالة عن المدينة المنورة، وحركة الشاعر هنا وتبنيه ومقاصده كانت جميلة جداً كما في الشطر (كنّي قصيدة مات شاعرها على قرطاسها) (مشيت)، وهذا تعبير جميل فيه شعور باليتم من دون وجود مغيث، ثم سأل الناقد لماذا اختار الشاعر اسم (أبو حفص) للقصيدة، لنعلم بعدها أن أمير المؤمنين كان حاضراً على فتح العراق والشام، والذي كان الشخصية الرئيسة في النص، وبالتالي فإن توظيف الشاعر ل(أبو حفص) كان خير توظيف.

والغريب الذي دل عليه الناقد؛ أن الشاعر قال لعمر (أعرض عليك)، ثم أعادها مرة أخرى عندما قال: (تقولّي وش حاسها؟ مدري وش اللي حاسها)، والثالثة (أنا فجعتك)، ويبدو أن عمر بات مكتوف اليدين، فلم يرد ولم ينصح ولم يفعل أي شيء، والسبب هو أن الحاضر حاضرنا، وهذا يترك فينا شيئاً من الحسرة، موضحاً الشاعر من خلال بيته (يوم سرقوا من أمة الإسلام خاتمها الثمين/ واستنزفوها ولبست ثوبٍ مهوب قياسها) أن الخاتم هو الخلافة. بعدها أتى الشاعر بالبيت (وقّف لها سلمان أخو نوره بوجه الطامعين/ وأقدم ولد زايد يقول النار من مقباسها)، وعاد لمخاطبة ذاته (المشهد أكبر منك يا هاجوسي وعذرك سمين/ عجزت فيها وأنت عنترها وأبو نواسها)، وذلك عندما وجد أن الأمور منه ومن قدرته على احتوائها وإلى أن تتجه، كل هذا جميل، (غير أن أبو نواس "خرّب" الموضوع) كما ختم د. غسان الحسن.

الشمري.. روح التحدي والتميز

(كلمة نعم) عنوان القصيدة التي ألقاها مسهوج الشمري، فكسبت تأييد أعضاء لجنة التحكيم، حال الشاعر في ذلك حال بقية شعراء الأمسية، حيث قدموا نصوصاً فيها من البلاغة والجزالة الكثير، إلى جانب الإلقاء المسرحي الذي ميزهم جميعاً. وجاء في نص الشمري:

يا مشوار ألف ميل أقدم لك اللي طاب مشواره ولا بدّاك في خطوه تشجع وابتداك بميل

بعد ما طال ليله واستبد وشحّت أنواره بدت كبده تحوم لشوف صبحٍ ما يعقبه ليل

تنهد لين ما قطع من التنهيده زراره وسيع الصدر عادي يقطعه لا من تنهد حيل

تدور أيامه السود وتدور براسه أفكاره خطاوي خافقه صارت من أيامه مدابك خيل

أبابيل العزوم اللي تعلّت تقذف حجاره على ياسٍ بيهدم كعبة آماله بهيئة فيل

من دياره شعب شعر وتوجّه ناصي دْياره من المتحيزم الحلحيل إلى المتحيزم الحلحيل

حضر شاعر عظيم لشاطي الراحة وزوّاره يبي يصنع من الشاطي وزوّاره ضفاف ونيل

ولد طفلٍ غريب ومقتنع في غربة أطواره ولد ف أتعس مراحل عزة المسلم وف أتعس جيل

غرام أقرانه العاب وغرامه جلسة وجاره مواصل سيرة أسلافه ولا يرضى لها تبديل

خذا من وجه أبوه الطاهر اللّي ورثّ وقاره وخذا من ذكرياته صوت نجر وريح بن وهيل

وكبر ينفض عن العهد القديم الماضي غباره وعن وجه الصحيح اللي لعب به واقع التمثيل

قبل لا يستجير الجار بالأغراب من جاره قبل ما نلمح أنوار الهلال اللي بلا تهليل

سلام الله على تاريخنا اللي ذاعت أخباره وسلام الله على جيل الرجال اللي ورث له جيل

بناء صعب، حضور، شاعرية، إبداع.. تلك هي أولى كلمات الناقد حمد السعيد مثنياً على الشاعر، وعلى مطلع النص (يا مشوار ألف ميل أقدم لك اللي طاب مشواره) حيث جاء توظيف الصورة جميلاً للغاية، كما أعجبه الشطر (وسيع الصدر عادي يقطعه لا من تنهد حيل)، وكذلك الصورة في البيت (تدور أيامه السود وتدور براسه أفكاره/ خطاوي خافقه صارت من أيامه مدابك خيل)، بالإضافة إلى البيت (من دياره شعب شعر وتوجّه ناصي دْياره/ من المتحيزم الحلحيل إلى المتحيزم الحلحيل)، وفي (حضر شاعر عظيم لشاطي الراحة وزوّاره). واستمر الشاعر في إيراد الصور البديعة، إلى أن تحدث عن الطفل في البيت (ولد طفلٍ غريب ومقتنع في غربة أطواره)، ومن بعدها تحدث عن أصالته في البيت (وخذا من ذكرياته صوت نجر وريح بن وهيل)، ثم قال: (قبل لا يستجير الجار بالأغراب من جاره/ قبل ما نلمح أنوار الهلال اللي بلا تهليل) ذلك البيت المتلئ رمزية جميلة.

د. غسان الحسن سأل بداية عن عمر الشاعر الذي بلغ 19 عاماً، وذلك استفساراً عما جاء في (حضر شاعر عظيم لشاطي الراحة وزوّاره)، كما سأل عن ذلك "الشاعر العظيم" فأوضح مسهوج أنه يقصد ذاته، لأن شاطئ الراحة لا يصله إلا شاعر عظيم. واعتبر الناقد أن في القصيدة الكثير من الجمال، وخاصة عندما وظف الشاعر الآية القرآنية في البيت الذي قال فيه: (أبابيل العزوم اللي تعلّت تقذف حجاره/ على ياسٍ بيهدم كعبة آماله بهيئة فيل)، لكنه صاغها بشكل جديد، لتؤدي الغرض منها، مكتسباً مما فيها من بلاغة الوصف والكلمات، وقدم ما يرد من خلالها. وهذا ما أكد عليه سلطان العميمي، حيث أن مسهوج يملك روح التحدي والتميز، مشيراً إلى أن القصيدة يمكن قراءتها من الجانب السيميائي بما فيها دلالات الصوت والحركة والرائحة اللون، كما يمكن تلمس مواطن الصور الجميلة كما في (تدور أيامه السود وتدور براسه أفكاره).

الفرزان.. التراسل الجميل

طقوس العرب تشعل بروس النوايف نار وتعلن ولادة شاعرٍ للعلا طامح

وأنا من زمن مضرم بصدري رجوم أشعار زبنت الغياب بعذر يا الخاطر الدامح

أقدم فصوص الّلول من فلقت المحار وتجاهلني الأضواء سهواً وأنا أسامح

مع الحلم جيتك عِلْم يا معقل الشعار أسابق بنات الفكر بإحساسي الجامح

تلك كانت أبيات المدخل للشاعر مطلق الفزران، والتي أتبعها بقصيدة المشاركة التي جاءت في موضوع الشعر أيضاً، وفي رحلته إلى مسرح شاطئ الراحة، وهو الذي قال:

للشعر موسم عبور الشاردات الجزال والفكر قرناس لا من جاع له يدهله

له بالشواهيق شفّ وبالهداد ارتجال وبين المغاليس مع قوة جناحه صله

لا عانق الريح يفهق في موامي طوال كر السوايب وتأثير الهوا ذلله

يلحق فرايد معاشيره بدال الهزال إلين كفه بجزل الثندوه يدخله

الشك تطحن رحاه الظن والاحتمال لا به دقيق أجوبة يا جايع الأسئلة

إلا اليقين إن حضر كف اللغا والجدال ضربة حسامه على عنق الجدل تفصله

الصمت ما هو رضا الخاطر على كل حال أطلق سراح الكلام وكل ما بك قله

الشمس فوقي عموديه ولا لي ظلال تفرق الغيم وحدود المدى ممحله

لو تغبط هديب في حمله عيون الجمال تزها متونه دناديشٍ زهت محمله

من بعد سبع العجاف أهلاً سمان الليال حلمٍ تمنيت تأويله كذا مرحله

اشتقت ياللي بقلب الذاكرة لا تزال مع كل نبضه لك بقلبي حضور ووله

قدرك كما المسك وإحساسي وريد الغزال ما فات جعله فدا لأيامي المقبله

دامي دهلتك شعور وجيت بعد الزوال أبشر بعزك وتسخير الطروق ازهله

يا مرحبا بك كثر ما نش روس الجبال ريحٍ جلابيب مزنه بالمطر مثقله

معاك أبهرب من الواقع لنشوة خيال تصبح علي خير يا حلمي وأنا من هله

هذا النص دفع د. غسان للقول إن الشاعر أحسن التعبير فيه عن ذاته التي حاورها كما حاور حلمه، لكن المقدمة التي بدأ بها مطلق كأنه كان يريد بها أن تكون مقدمة القصيدة، فأبياتها جاءت في غاية الجمال، لتنساب إلى مطلع قصيدة المشاركة التي جاءت أبياتها الأربعة متماسكة وبصورة واحدة تدورحول القنص، لكن المعكوس على فكر الشاعر وشعره، فشبه ذاته بالقناص.

وأضاف د. غسان: أعطانا الشاعر صورة تمثيلية كاملة متحركة من الشطر (والفكر قرناس لا من جاع له يدهله)، وحتى الشطر (إلين كفه بجزل الثندوه يدخله)، فلخص كل ما هو أمامنا، ثم عاد ليذكرنا بما كان عليه قبل المسابقة، وعدم تقديره لذاته، أتبعه بالشطر (أطلق سراح الكلام وكل ما بك قله). بعدها بدأ التألق الذي لم يخفَ في البيت (لو تغبط هديب في حمله عيون الجمال/ تزها متونه دناديشٍ زهت محمله)، والذي لا يخفي من هو الشاعر بنظر ذاته.

وما أعجب د. الحسن التصوير في (قدرك كما المسك وإحساسي وريد الغزال )، مقارناً بين ذلك البيت والبيت (فإن تفُق الأنام فأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال)، واعتبره تراسلاً جميلاً. مختتماً الناقد تعليقه بالبيت (معاك أبهرب من الواقع لنشوة خيال/ تصبح علي خير يا حلمي وأنا من هله) الذي أعجبه، فهو يظهر الشاعر وكأنه متصالح مع ذاته.

سلطان العميمي وجد في النص لوحة شعرية فنية متقنة كثيراً، إذ أبدع الشاعر من أول بيت وحتى آخر بيت، فالشاعرية لم تخفت من البداية إلى النهاية، ولم تكن فيها مباشرة. ولفت العميمي الانتباه إلى التنوع في التصاوير والجمال والتأمل والشموخ والارتفاع والتحليق في البيت: (له بالشواهيق شفّ وبالهداد ارتجال/ وبين المغاليس مع قوة جناحه صله)، وفي (أطلق سراح الكلام)، ليأتي بعدهما تصوير مدهش تمثّل في البيت: (الشك تطحن رحاه الظن والاحتمال/ لا به دقيق أجوبة يا جايع الأسئلة)، لتستمر الدهشة إلى أكثر الأبيات إدهاشاً، والذي قال فيه الشاعر (إلا اليقين إن حضر كف اللغا والجدال/ ضربة حسامه على عنق الجدل تفصله). وختم العميمي بالقول: هذا هو الشعر وإلا فلا.

حمد السعد بدأ من البيت (أقدم فصوص الّلول من فلقت المحار/ وتجاهلني الأضواء سهواً وأنا أسامح)، الذي اعتبره دليل الشاعرية. مضيفاً أن النص راقٍ وفخم، ولا يكتبه إلا "قرناس شعر"، بكل ما فيه من ترابط في الموضوع وجزالة وأصالة، وتأثير هواية الصقارة على الشاعر.

الفطيسي.. جوازات إلى القلوب

حصل منذر الفطيسي 66 % من تصويت جمهور شاطئ الراحة، وهو الذي حضر ورفيقه التميز شعراً وإلقاءً وأداءً، إلى درجة أنه وهو يعد أبيات المدخل كان يرفع جوازات دول الخليج الست، الجواز تلو الآخر، بادئاً بالبيت:

دُم دُم دَدُم ستة دول رحمه وموس وراس الفتن ستّة أيادي تكسّرْه

ثم قال:

خليفه وسلمان ناموس ناموس وحمد على المرقاب حشمه نقدّرْه

وتميم سهْم إن فزّ قصّ وبلا قوس وصباح حُرّ وجوّ الأمجاد حرّرْه

خليجنا ع الراس، لا لا؛ على الروس وجوازي بدمّي أحمّرْه أحمّرْه

ودّي أسمّي ولْدي البكر قابوس وقابوس واحد والزمن ما يكرّرْه

وفي (رسالة إلى ألمانيا) التي تحدث فيها عن سلطنة عمان متغنياً بها، ومادحاً قائدها:

من نخلة الأشعار تتحدّر عْذوق مدّت رطب لخْلاص وأنا تقهويت

ومجان تهبش عزّ والفخْر مدقوق على لحى وعبيّ من وين ما جيت

قابوس شُرفة سلطتنا على طوق تسامح وْإكرام من قال يا ليت

غارت لحيتك من بياضك يا معشوق وعاش البياض ف لحيةٍ للوفا صيت

أسريت قبل شْهور وتجمّر الشوق ولمعة عيون الشعب من لحظة أسريت

وعقب الخطاب تنفّست مسقط بْروق وصوت البنادق قال يا غيم: تشتيت

واستبشروا الجيران، جيراننا عْروق وفي برج أبو سلطان صورتْك تثبيت

أصالة الْخوّه ومن واجب الذوق وادي الجزي تْسلّق يبا يْخاشم حفيت

البيت متوحّد صدى شيخ مرموق وعقارب الوحدة على كل توقيت

وتبخّر الكمبودي وْبخّر العوق وعلى لبان ظْفار كلّك تعلّيت

بعد انتظار تزخرف السعد ف الموق رسيت في حصْن الشموخ وتشافيت

واليوم رحت بخير والنبض مخنوق ويا كم سدرة شوق فْ عمان هزّيت

الصبْر ينسجنا على غْروب وشْروق وأنا ف مطار الشعر من قلْب ناديت

يا قايدٍ من طينة المجْد مخلوق السحْب موكب طايرتكم وحُيّيت

وبيوتنا تفتح لك أبواب من فوق وفضلك أساساً ساكن ف قلب كل بيت

سلطان العميمي تحدث عن تألق الشاعر وتميز قصيدته، بما فيها من خصوصية المكان، المتمثلة في (مجان، مسقط، ظفار) وغيرها. وأضاف أن منذر لجأ إلى أنسنة الأشياء كما الحال بالنسبة للعبارات (تنفّست مسقط، مجان تهبش، غارت لحيتك) ما أضاف جمالية عالية للنص الذي جاء بناءه مميزاً، ورأى الناقد حمد السعيد أن النص وطني بامتياز، وما يميزه الربط الجميل بين أبياته.

في حين قال د. غسان الحسن إن النص جرّنا لمعرفة مواهب الشاعر الأخرى في الشلة التي ألقاها الشاعر بعد نص المشاركة. أما الشاعرية فقد اتضحت في مدخل النص الوطني (من نخلة الأشعار تتحدّر عْذوق/ مدّت رطب لخْلاص وأنا تقهويت)، بما فيه من جمال، وتوزيع للافتخار على كامل الأبيات. وشرح د. غسان أن ما يقابل أسلوب هذا الشاعر هو الكتابة بالأسلوب المباشر.

وأوضح د. الحسن أن في النص فخر وتميجد ومعاني تستثير الحماس، وهذا أسلوب يعطينا صوراً موحية، ما يجعله أجمل وأجزل من المباشر. كما أشار الدكتور إلى ناحية جمالية أخرى، حيث حمل النص رموزاً أو مجازاً جمّل الصورة وأعطاها إشراقة جديدة. وختم د. الحسن بالبيت (يا قايدٍ من طينة المجْد مخلوق/ السحْب موكب طايرتكم وحُيّيت)، حيث يرتجي الناس من السحب الخير الكثير، وليس فقط أن يكونوا بذات الارتفاع معها.

ثمانية أصوات بانتظارها

كانت أمسية متميزة بشعرائها وبضيفها فهد مطر الذي ألقى شلة (جيت لأبوظبي) من كلمات، والتي ختمها حسين العامري بأسماء شعراء الحلقة السادسة، والتي ستحفل بكل من سعيد خلفان طميشان الكعبي من الإمارات، ومن الكويت سلطان منصور المطيري المسمى، وعبدالله مطلق جريان العازمي، ومن السعودية صالح يوسف سليمان البلوي، وعبادي جمعان إبراهيم الزهراني، وسلطان بن نايف الروقي العتيبي، فايز سعد شطي العنزي الزناتي، ومن فلسطين عدنان راضي كريزم.