د. مجدي يعقوب للأسرة : العلم يمنح الصحة والثروة والكرامة.. والتواضع قيمة هامة في حياة العالم.. أكره

لا يختلف أحد على أن جراح القلب المصرى العالمى الدكتور «مجدى يعقوب» يعد نموذجا نادرا للتواضع، والعلم، والوطنية، والتفانى، والعمل فى صمت، من أجل خدمة المجتمع، والنهوض به علميا، من خلال فريق مصرى يقوم بالعلاج والبحث، وتقديم خدمة على أعلى مستوى من الرقى، ودون انتظار مقابل، أو مردود سوى الحب والارتقاء بالصحة والعلم فى هذا الوطن..

ولكن ماذا عن مركز مجدى يعقوب للقلب فى أسوان، كيف يدار، ومن أين يمول، ومن يعمل فيه، وهل نشاطه مقصورا على جراحات القلب فقط، ومن أين يأتى بالصمامات الآدمية التى يتم تركيبها للمرضى؟، وغيرها من الأسئلة التى حاولنا طرحها على العالم الدكتور مجدى يعقوب خلال حوار مطول أجرته معه « الاسرة ». ونسأله فى البداية عن زيارته لمسقط : ما نتائج هذه الزيارة ..؟

التقيت بالدكتور أحمد بن محمد بن عبيد السعيدي وزير الصحة العماني وكان اللقاء فرصة للتعارف وتبادل الأحاديث الودية والأمور ذات الاهتمام المشترك، وفرصة لتبادل الخبرات مع الكوادر العالمية .. وتم الاتفاق على إمكانية إجراءعمليات قلب تطوعية للأطفال الذين يعانون من تشوهات خَلقية في القلب وذلك في المركز الوطني العماني لطب وجراحة القلب، وسيكون لبعض الدول من خارج السلطنة والتى لا تتوافر لديها الإمكانيات الطبية.. وسيكون الاشراف للفريق الطبي التابع لجمعية «سلسلة الأمل« والتي أشرف عليها بنفسي .. وقد اختارت جمعية سلسلة الأمل المركز الوطني لطب وجراحة القلب في السلطنة كأحد المركز العالمية التي ستجرى فيها العمليات، وقد تم بالفعل اجراء العملية الأولى فى السلطنة لأحد الأطفال .

وما أهمية مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات ..؟

المؤتمرات وخاصة هذا المؤتمر ناقش العديد من المواضيع المهمة عن العلم والجراحة واهمية العلم والجراحة الى جانب المواضيع الطبية منها سرطان الغدة الدرقية وعلاجها وسرطان البروستاتا .. التشخيص والعلاج ومرض السكري وتشخيصه وأحدث العلاجات بالإضافة إلى الأمراض المعدية وأمراض الصدر وأمراض الجهاز العصبي: التشخيص والعلاج كذلك سيناقش المؤتمر أمراض العظام وعلاج مرضى العناية المركزة وعلاج الانيميا : الأسباب والتشخيص.

«مصر» ماذا تعنى هذه الكلمة لك ؟

أحب أقول فى بداية حديثى، إن الشعب المصرى شعب عظيم يستحق الكثير والكثير، وأنا لا أعمل وحدى، لكننى أعمل مع فريق مخلص هدفه الدائم هو خدمة مصر والمواطن المصرى، ورغم أننى قضيت ثلثى عمرى خارج مصر، فإن مصر هى أم الدنيا بما قدمت، وبما تعطى وتمنح، كما أننى مدين لبريطانيا بالكثير من خلال رحلة العمل والعطاء، لكننى فخور بمصر وهى الأقرب لقلبى دائمًا.

وما نصيحتك للمصريين فى هذه الفترة ؟

أنصح المصريين بالعمل وخدمة مصر، ومشروعنا فى أسوان جيد جدا، ويعمل به كفاءات مصرية ممتازة، تعالج الجميع بمستوى راق، كما أن هناك أبحاثا علمية مهمة تسهم فى تحسين الصحة والثروة،

وأتمنى أن يكون لديهم أفكار جماعية، وأن يبتعدوا عن كلمة «أنا» ويقولوا «نحن»، وإن شاء الله سيكون هناك تقدم كبير، خاصة فى النواحى العلمية. ويجب أن يعلم الشعب المصرى أن التقدم العلمى لا يتوقف عند شخص معين، وإنما على كل الشعب، وذلك بإحساسه بالمسؤولية، وتفاعله مع المسؤولين، والتخلى عن السلبية، بألا يقول إنه على الحكومة أن تفعل كل شىء، وهى المسؤولة عن العلم والسياسة والاقتصاد، فأنا ضد هذه الفكرة، ويجب أن يقول المواطن، ماذا يريد؟.. ويتفاعل ويشارك ويتابع أداء الحكومة، ويصر على رغبته فى دخول مصر إلى عصر العلم.

وما رأيك فى مشروع التأمين الصحى فى مصر؟

تطبيق التأمين الصحى على جميع المواطنين فى مصر مهم جدا، وهو حق من حقوق الإنسان، وتم عمل مؤتمر فى أسوان مع التأمين الصحى البريطانى، وكنا نريد أن نعمل «تأمين صحى شامل» لكل المصريين، وهذا مهم جدا، ولكن يجب على المصريين أنفسهم التعاون فى هذا الموضوع، وأن يأخذوا بالهم من صحتهم، كما يجب عمل مستوصفات فى كل القرى تكون مرتبطة مع المستشفيات الكبيرة مثل مستشفى أسوان، خاصة أن أمراض القلب والأوعية الدموية يموت منها الكثير سنويا وليس لها نهاية فى مصر، وتوقفه يحتاج لضرورة أن نكون على قلب واحد.

ما سر اهتمامك بصعيد مصر؟

بدأت من أسوان، خاصة أن منطقة الصعيد كانت محرومة لفترة طويلة، وأنا سعيد جدا لأننى أرى أهل الصعيد يعالجون على أعلى مستوى فيما يخص جراحات القلب، وإن شاء الله نقوم بعمل خدمات أخرى، ونستفيد بالكفاءات المصرية.

نصيحتكم لمرضى القلب، وهل لأمراض القلب فى مصر خصوصية؟

أنصح بممارسة الرياضة يوميا، والابتعاد عن التدخين، والتأكد من أن ضغط الدم ليس عاليا، لأن فى مصر ضغط الدم عالى جدا، وأهم شىء لمرضى القلب أن يقوم المريض بعمل رياضة يوميا سواء مشى أو سباحة، أو يصعد «سلم» ولا يستعمل المصاعد، والابتعاد عن الدهنيات.

وبالنسبة لمرض القلب فى مصر، فكل منطقة بالعالم لها جينات تختلف عن المنطقة الأخرى، ونحن، المصريين، لدينا جينات مختلفة تجعل لأمراض القلب فى مصر خصوصية، بسبب البيئة التى نعيش فيها وتلوث الجو، وكذلك الكثافة السكانية ووجود أعداد ضخمة من الناس فى أماكن محدودة، كل ذلك يؤثر بالضرورة على القلب، كذلك التلوث الناتج عن السيارات، ونوعية الطعام الذى نأكله وجودته، وما إذا كان ملوثا بالكيماويات أم لا، فبعض العناصر الكيماوية لها تأثير سلبى على عضلة القلب، كذلك عدم ممارسة الرياضة، إضافة إلى وجود أنواع معينة من الجراثيم لها علاقة بأمراض القلب، وكذلك مرض السكر وارتفاع ضغط الدم المنتشران جدا فى مصر، لذا نجد أن أكثر أمراض القلب المنتشرة فى مصر هى جلطات القلب وتصلب الشرايين والحمى الروماتيزمية.

هل هناك علاقة بين القلب والمشاعر؟

القلب مضخة تقوم بضخ الدم إلى كل أجزاء الجسم، خاصة المخ، فالقلب مرتبط بالمخ من خلال الأعصاب، والقلب لا يضخ الدم إلى المخ فحسب، وإنما هناك الأعصاب التى تربط بين كل منهما، كما أن هناك هرمونات تفرز لتصل من القلب إلى المخ، فالصلة وثيقة بين كل من القلب والمخ، وبالطبع فالقلب كعضلة ليس له علاقة بالمشاعر، وإنما المسؤول عن المشاعر هو المخ وليس القلب.

وهل هناك قلب قوى وقلب ضعيف؟

نعم هناك قلب قوى وقلب ضعيف، فهناك من لديه عزيمة أكبر وقدرة على تحمل الصعاب، وهناك من لا يستطيع لقلة عزيمته وقلة صبره على تحمل ضغوط الحياة، لذا فبالطبع يوجد قلب ضعيف وقلب قوى. ما تقييمكم للوضع الطبى فى مصر؟ - فى مصر كفاءات كثيرة فردية، ويوجد أيضا تطبيق جيد للعلم، ولكن ما أريد رؤيته هو تطور البحث العلمى فى مجال الطب، فللأسف نحن نستورد البحث العلمى جاهزا من الخارج ونطبقه كما هو.

ماذا عن التدخين وتأثيره؟

التدخين بدون شك له تأثير سلبى على الرئتين من خلال الإصابة بسرطان الرئة وبعض أنواع السرطانات الأخرى، كما يؤثر على جلد النساء، ويؤثر على الأوعية الدموية ويجعلها تنقبض، مما يؤثر على القلب وينتج عنه أزمات قلبية، والمصيبة الكبرى فى تصدير التدخين السلبى لمن حولك من غير المدخنين، فالتدخين، كما نعلم جميعا، يؤدى إلى الوفاة، فعليك الاختيار ما بين صحتك وصحة من حولك، وبين المرض لنفسك ومن حولك، فالتدخين مصيبة كبيرة، وبالرغم من وجود الكثير من الجمعيات والمنظمات التى تحارب شركات التبغ فى كل مكان، فإن الشركات العالمية تنفق الكثير من الأموال لصنع أنواع من التبغ تؤدى إلى الإدمان لدى الأطفال.

ما رأيك فى مداواة المرضى بالخلايا الجذعية، وما الحقيقة والوهم فى هذا المجال وهل يتم تصنيعها؟

العلاج بالخلايا الجذعية له مستقبل باهر، ولكن لم تصل بعد الأبحاث لمرحلة التطبيق على مساحة كبيرة، كل يوم يخرج عدد ضخم من الأبحاث فى هذا الشأن، لكن لم تنته بعد إلى مرحلة تقديمها للمرضى، وربما بعد عامين نتمكن من ذلك. والجديد فى جراحات وعمليات القلب، هو تطبيق علم الجزئيات فى هذه العمليات، وعملية القلب الصناعى، حيث يعمل هذا القلب على أخذ الدم من القلب الطبيعى وتوصيله للأوعية الدموية، وتكلفة جهاز القلب الصناعى فى العالم تصل إلى 100 ألف جنيه، فى حين يقدم هذا الجهاز مجانًا فى مؤسسة مجدى يعقوب للقلب بأسوان. وقد بدأنا فى فهم كيفية صنع الخلية، لكننا لم نصنعها حتى الآن، فالخلية الواحدة فيها تقريبا مليون جزيئة يتعامل كل منها مع الآخر، أما الخلايا فهناك أكثر من سبعة بلايين جزيئة أو خلية تعيش فى تناسق وتناغم تام، فنحن مازلنا فى البداية لفهم كيفية تصنيع الخلايا وهندسة تصنيع الأعضاء، لكننا لم نصل حتى الآن لتصنيع القلب الكامل، وقد نستطيع فى يوم من الأيام تصنيع قلب كامل، لكن ذلك قد يستغرق عشرين عاما حتى نستطيع تصنيع قلب كامل، ولكن من غير المقبول أن تكون هناك مبالغة، كأن يقول أحد الأطباء للمريض إنه يستطيع وضع بعض الخلايا الجذعية فى الشريان التاجى وإنه سيشفى جراء ذلك، فهذا كلام خاطئ، فهناك أبحاث يقوم بها الأطباء فى المعمل وهناك البعض فى مناطق مخصصة لهذه الأبحاث، لكننا لم نصل لاستخدام الخلايا الجذعية على نطاق واسع، وقد نعمل فى المستقبل على علاج هبوط القلب والكبد بالخلايا الجذعية، لكننا مازلنا فى مرحلة البداية، ولم نصل إلى استنساخ قلب كامل حتى الآن.

زراعة الأعضاء عليها اختلاف كبير ما بين مؤيد ومعارض، ما رأى الدكتور مجدى يعقوب؟

هذا موضوع مهم جدا، فهناك الكثير من الشباب والأطفال والبنات والأولاد يموتون لعدم توافر زراعة الأعضاء، وهناك أحد المرضى فى بريطانيا كان أمامه أسبوعان ويموت وكان عمره 33 سنة، ولكنه بعد زراعة القلب عاش 33 سنة أخرى، ودخل فى موسوعة جينيس، وذلك ناتج من كرم الشعب البريطانى الذى يوافق على التبرع بأعضائه لغيره، وأنا أعلم أن جميع شيوخ الدين فى كل الأديان يوافقون على أى شىء ينقذ حياة الإنسان، والدستور المصرى الأخير يتضمن أحد البنود المقرة لزراعة الأعضاء، حيث ينص هذا البند على أن زراعة الأعضاء هى هبة الحياة وواجب على كل مواطن وعلى الحكومة تنظيم زراعة الأنسجة والأعضاء، لأننا نحاول الحصول فى مستشفى القلب بأسوان على الصمامات الآدمية من أمريكا وبريطانيا، والآن نحصل عليها من إيران لأننا لا نستطيع الحصول عليها فى مصر. والتبرع بأعضائك لغيرك بمثابة هدية لغيرك، ولا توجد هدية أعظم من أن تهبه الحياة، لذا يجب على الحكومة تنظيم عملية زراعة الأعضاء وضمان ألا تكون تجارة يتخذها البعض مكسبا وتجارة فى حياة المصريين.

كيف يدار مركز مجدى يعقوب بأسوان، وماذا عن التبرعات؟

المستشفى قائم على التبرعات، ولا توجد موارد أخرى، ولا يوجد فارق فى العلاج بين الغنى والفقير، فالكل يتم علاجه مجانًا، ولكن الغنى إذا أراد أن يتبرع للمستشفى بعد ذلك فلا بأس.

أود أن أقول لكل مصرى إن مركز يعقوب ينتمى لكل المصريين، وفى كل عام، خاصة فى رمضان. ما سر عزوفك عن اللقاءات الاجتماعية والحفلات؟ - لا أحبذ فكرة تعظيم الناس لشخصى، كما لا أحب الحفلات التى تقام لتكريمى، وأرى أن تعظيم الأشخاص أكثر من اللازم يورث فى الإنسان الغرور، وأنا أكره الغرور.

الجدير بالذكر ان الدكتور مجدي يقعوب التقى مع الجالية المصرية فى مسقط فى لقاء مفتوح بحضور السفير المصري..