ذكرى مرور ٢٥ عاماً على تخليها عن الترسانة النووية.. أستانا تحتضن “الأثنين” مؤتمرا دوليا لتنظيف العال


ينعقد في أستانا، عاصمة كازاخستان “الأثنين”، مؤتمر دولي بعنوان "من أجل عالم خال من السلاح النووي"، بدعوة من الرئيس نور سلطان نزارباييف المتوقع حضوره والقاء كلمته، ومشارك رؤساء دول وممثلون عن الأمم المتحدة وبرلمانيون من العالم ومن الدول العربية يتعاونون مع شبكة "برلمانيون من أجل عدم انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح" الدولية التي كانت أطلقت مبادرة "شرق أوسط من دون نووي". كما يشارك فيه خبراء في منع التسلح وقيادات دينية وجمعيات أهلية دولية. سيتم في المؤتمر عرض تقارير دولية عن خطورة انتشار السلاح النووي والتشاور في كيفية الحد منه. كما يزور المشاركون مواقع التجارب النووية في سيميبالاتينسك والمتحف هناك، ليروا بأعينهم آثار التجارب على الناس والأرض. وتحتفل كازاخستان مع العالم بذكرى ربع قرن على تخليها عن الترسانة النووية السوفياتية لتتذكر أيضا آلاف الضحايا الذين سقطوا جراء التجارب النووية التي كان يجريها الاتحاد السوفياتي على مدى قرابة نصف قرن على أراضيها، في مقاطعة سيميبالاتينسك، ليس بعيدا عن متحف الروائي الروسي العالمي فيودور دوستويفسكي. إلا أن وراء هذا اللقاء الدولي قصة معقدة قد لا يعرفها البعض. فمنذ خمس وعشرون سنة، أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى إنهاء زمن المواجهة النووية. وصارت مفاهيم التفوق النووي أو ما كان يعرف ب "العصا النووية" من مفردات التاريخ والحرب الباردة. وأدى تفكك المعسكر الشيوعي إلى نشوء دول مستقلة في أراضي أكبر دولة نووية، وهي روسيا و كازاخستان وأوكرانيا وبيلاروسيا. ووجدت هذه الدول المستقلة حديثا نفسها في مواجهة مسألة صعبة وهي كيفية التصرف بهذه التركة الخطيرة. ولا شك أن قرار كازاخستان بتفكيك الترسانة النووية ووقف التجارب في سيميبالاتينسك كان قرارا استراتيجيا صعبا ومعقدا. وأدى إلى تقاسم السلاح النووي بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، التي كرسها إعلان ألماتي الصادر في شهر ديسمبر من عام 1991 الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي. وعاشت كازاخستان، الدولة المستقلة حديثا، مرحلة انتقالية دقيقة وصراعا بين خيار الاحتفاظ بسلاح متطور تسعى معظم دول العالم للحصول عليه بأغلى الأثمان، مقابل التخلي عنه والاستفادة من نتائج هذا القرار بتحييد نفسها عن شعاع الصراعات الدولية واستثمار مكاسبه في مجالات الأمن والتنمية الاقتصادية وبناء الدولة. وتعقيدات القرار نجمت عن ضخامة الترسانة النووية المتمركزة داخل أراضي كازاخستان والتي كانت تضم صناعات اليورانيوم ومصانع لتدوير اليورانيوم وتصنيع الوقود لمختلف المنشآت النووية، ومفاعلات نووية صناعية وبحثية إضافة إلى قاعدة علمية وتقنية كبيرة. وكانت مخازن الأسلحة النووية في كازاخستان تحتوي على 104 صواريخ من طراز إس إس-18 ذاتية الإطلاق وتحمل 1216 من الرؤوس النووية، إلى جانب قاعدة ضخمة لإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. ويصف رئيسها نزارباييف في كتابه "قلب العالم" مرحلة كان يتنازع فيها تياران: واحد يبرر الاحتفاظ بالسلاح النووي لأنه يضع كازاخستان في صف الدول العظمى ويشكل ضمانا للأمن ورادعا لمطامع الأخصام في ظل الثغرات في الأسلحة التقليدية، إضافة إلى أهميته العلمية والتقنية المتطورة. وتيار معاكس يدعو إلى التخلي عن النووي لأسباب عدة منها النفقات المادية الضخمة التي كانت ستتحملها كازاخستان إضافة إلى التبعات الجيوسياسية المعقدة في محيط آسيا المركزية ومنظومة الأمن الشامل. إلا أن احتفاظ كازاخستان بمخزونها الذري كان من شأنه أن ينسف نظام حظر انتشار الأسلحة النووية التي تشكل على مدار عقود طويلة وأن يرتب على الدولة عواقب سياسية خطيرة. واتخذ مؤتمر دولي من أجل عالم خال من السلاح النووي في أستانا في 29 الحالي قرارا بالتخلي عن الترسانة النووية ووقف التجارب في سيميبالاتينسك، معتبرا أنها ستضر بالدولة المستقلة حديثا أكثر مما ستنفعها. كما إنه استند إلى المبادئ الإنسانية العامة، وإلى نظرته الخاصة في ما يتعلق بالأمن الدولي بقوله إن "أنصار الاحتفاظ بالسلاح النووي لم يكونوا مع ذلك على حق، لأن الفوائد التي يخيل كسبها من وراء امتلاك السلاح النووي هي وهم، إذا تذكرنا ما تكبدته كازاخستان من جراء امتلاكها لهذا السلاح. فقد عانت بلادنا من آثار التجارب النووية ربما ما لم يعانيه أي بلد آخر على وجه الأرض. لذلك لم يكن لدينا مجرد الحق في أن نواصل تدمير شعبنا و أرضنا بالتفجيرات النووية". وأبدت الولايات المتحدة الأميركية اهتماما بموقف كازاخستان من الترسانة النووية، فزارها وزير الخارجية جيمس بيكر عام 1991 توصل خلالها إلى تفاهم متبادل بين البلدين ساعد في تحقيق تطور إيجابي في العلاقات الثنائية. بعد مناقشة سبل التعاون مع المجتمع الدولي في ظل المستجدات الجيوسياسية. و قد أظهر هذا القرار خطأ أنصار السلاح النووي المعتبرين أنه الضامن للأمن، بعدما أثبت مبدأ نهج سباق التسلح كمبدأ أساسي لضمان الأمن عدم جدواه في بداية التسعينات. وبين الواقع أن رفع القدرة العسكرية لم يعد يكفل أمن الدولة بل أصبح واحدا من عوامل عدم الاستقرار. وحظي إعلان القرار الجمهوري مساندة شعبية عارمة كان أبرزها الدور الكبير الذي لعبه الشاعر أولجاس سليمانوف في نشر أفكار مكافحة انتشار السلاح النووي وهو شخصية ثقافية بارزة.�وأنضمت بذلك كازاخستان إلى الجهود التي يبذلها المجتمع العالمي من أجل تدعيم الأمن الدولي. وقد حقق هذا الإعلان نتائج إيجابية جمة منها توقيع بروتوكول خماسي في لشبونة عام 1992 ضم كل من كازاخستان وروسيا البيضاء وأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، يحدد مسؤولية هذه الدول في تنفيذ بنود معاهدة الأسلحة الإستراتيجية الهجومية بالنسبة للأسلحة النووية الإستراتيجية الموجودة داخل أراضي الجمهوريات الأربعة الذي صادق عليه البرلمان عام 1993 وشمل تعهد كل من روسيا البيضاء وأوكرانيا وكازاخستان بالانضمام إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي كدول لا تمتلك أسلحة نووية، وقد فعلت ذلك بعد فترة قصيرة ثم وقعت عام 1995 اتفاقية ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبما أنها تمتلك داخل أراضيها منشآت تدخل ضمن معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، اتخذت الجمهورية قرارا بالدخول طرفا في المعاهدة والمشاركة بصورة منتظمة في دورات اللجنة الاستشارية الدائمة والمشاركة في صياغة الاتفاقيات بشأن تكيف المعاهدة مع المستجدات السياسية". وتطلق كازاخستان على مدار السنة مجموعة دراسات ومبادرات دولية تحث على التخلي عن الاسلحة النووية في العالم وإنشاء مناطق منزوعة السلاح، ومن أهم هذه المبادرات "مشروع أتوم-الذرة-" الذي كانت هذه الدولة أطلقته منذ ثلاث سنوات. وتتركز مبادرة "أتوم" على إظهار الآثار البشرية الكارثية للتجارب النووية والدعوة الى وقفها، ويقول كاريبيك كويوكوف وهو السفير الفخري لهذه المبادرة "أنا لا أملك ذراعين لأضمكم لكن قلبي كبير مثل فضاء كازاخستان المفتوح لضم عالم مسالم وخال من الأسلحة النووية". وقد ولد كويوكوف من دون ذراعين جراء الإشعاعات النووية التي خلفتها التجارب على أرضه.