حارس حضارة مصر من الأقصر إلى أسوان .. الريس القبطان عبدالناصر فريد: النيل هو حياتي ولا أستطيع العيش


مصر محفوظة إلى يوم الدين ولن ينال منها حاقد السد العالي يعتبر مشروع قرن أنقذ البلاد من كوارث جسيمة فصيلة دمنا مكونة من الشهامة والكرم

"مصر الحضارة .. بلد التاريخ".. جملة لم أعي معناها الحقيقي الشامل، إلا بعد زيارتي الأخيرة لبلاد السحر والجمال، الأقصر وأسوان، والتى تعتبر من أهم المدن السياحية؛ لضمها أكثر من ثلث آثار العالم؛ حيث أعظم حضارة على مر التاريخ، الحضارة الفرعونية، والأصالة المصرية العريقة. فبدأت الرحلة من مدينة المائة بوابة، أو كما يطلق عليها مدينة جنوب مصر الجديدة، وهي "الأقصر" حيث معبد الكرنك، ووادي الملوك، معبد الأقصر، ومعبد حتشبسوت. فهل يعقل أن تجمع هذه المدينة كل هذه الآثار، فهي بالفعل جمعت بين كل هذا الجمال، وصولا إلى إسنة، حيث الاستمتاع بـ"الهويس"، وهو عبارة عن منشأة ملاحية، يتم من خلاله عبور المراكب السياحية لأسوان، في مشهد فريد من نوعه. ثم تأتي مدينة أسوان، حيث النوبة، وجزيرة النباتات، ومعبد فيلة، وجزيرة أجيليكا. ولكن كان لهذه الرحلة راوٍ واحد وهو الريس القبطان عبدالناصر عبدالباسط فريد، من مدينة الأقصر، الرجل البسيط، المحب للحياة، والتي كانت ملامحه تخبئ في طياتها حضارة السبعة آلاف سنة. ولم يكن لي إلا أن أدردش معه قليلا فكان الحوار التالي ..

س: ما هو دليل رحلة السياح من الأقصر إلى أسوان؟ تبدأ الرحلة من مدينة الأقصر، حيث يستهل السياح رحلتهم بزيارة كل من، معبد الكرنك، والذي يعتبر علامة من علامات المدينة، لروعته وعرضه المميز لبراعة الفنون الفرعونية الهندسية في آن واحد. ووادي الملوك، معبد الأقصر، ومعبد حتشبسوت وصولا إلى "إسنة"، حيث يستمتع السياح بـ"الهويس"، وهو عبارة عن منشأة ملاحية، يتم من خلاله عبور المراكب السياحية لأسوان، ويعتبر هذا المشهد فريدا من نوعه، وهو ناتج من اختلاف منسوب المياه بين مدينة الأقصر وأسوان. ويتكون الهويس من بوابتين خلفية وأمامية للمرور، بالإضافة إلى مجموعة من الأبواب الجانبية مهمتها تفريغ المياه وملئها في حوض لتتمكن المركب من العبور من الأقصر لأسوان أو العكس. فعند مرور الباخرة من الأقصر لأسوان يكون منسوب المياه في الأقصر منخفضا كثيرا عن منسوب المياه في أسوان فتفتح البوابات الجانبية بدقة عالية حتى تدخل المياه من المنسوب الأعلى في أسوان إلى المنسوب المنخفض في الأقصر حتى يتساوى منسوب المياه بين المدينتين وحينها تتمكن الباخرة من العبور ونلاحظ ارتفاع المركب لمسافة أعلى. وعند حدوث المرور من أسوان إلى الأقصر تتكرر العملية بالعكس. ويحمل الهويس مركبين، وحمولته وملئه 16000 طن مياه. وبعد ذلك نصل إلى "إدفو" ليستمتع السياح بمعبد إدفو، ثم ننتقل إلى "كوم إمبو"، ليشاهد السياح معبدها حيث يستمتعون بزخارفه ونقوشه الدقيقة والتي تعكس مدى براعة أجدادنا القدماء ثم إلى أسوان، حيث النوبة، وجزيرة النباتات، ومعبد فيلة، جزيرة أجيليكا، وتنتهي الرحلة بزيارة السد العالي.

س: ما فائدة الهويس؟ س: يوجد بمصر أربعة هويس، وهم هويس أسوان، وهويس إسنة، وهويس نجع حمادي، وهويس أسيوط، غير القناطر الخيرية. وكل هويس منهم يقوم بتخزين كمية من المياه أمامه قد تصل إلى إرتفاع 8 أمتار، وهذا لأن نهر النيل يأتي إلى مصر على شكل منحدر، فإذا تم فتح خزان السد العالي ستغرق القاهرة والدلتا، لأن المياه ستسقط من منسوب مياه مرتفع إلى منسوب مياه منخفض. ومن قام بتشييد هويس إسنة، محمد علي باشا سنة 1918م، ومع التقدم التكنولوجي والسياحي، تم تطوير هويس إسنة لتتمكن من خلاله باخرتان من العبور، ففي الماضي كان يسمح لباخرة واحدة فقط بالعبور وتستغرق ثلاثة أيام حتى تعبر الباخرة الثانية وبهذا تم توفير الكثير من الوقت، والآن أصبحت تمر أربع سفن، كل نصف ساعة، غير أن الهويس قام بحماية مصر من حدوث الفيضانات، فكان قديما الفيضان يبدأ في شهر 4 من كل عام وينتهي في شهر 8 من نفس العام، وكانت تدخل التماسيح إلى المدن مع الفياضانات، فتمكن السد العالي على سبيل المثال من حجز التماسيح، فمن الحوادث المؤلمة التي عاصرتها أنه كانت سيدة تسقي ماشيتها من النيل فالتهم التمساح ماشيتها. فيعتبر السد العالي مشروع قرن، استطاع أن ينقذ البلاد من كوارث جسيمة.

س: كيف ترى حركة السياحة في الأقصر وأسوان الآن؟ تعتبر السياحة الآن جيدة، فهي تحسنت كثيرا عن السابق، فقد تصل الآن إلى 70% من حجم تشغيلها. فكان في عام 2009م، حجم تشغيل السياحة بنسبة 100% حتى عام 2013م، وبعدها بدأت تضعف السياحة بسبب الأيادي المخربة التي تريد أن تلحق الضرر بمصر، وتركز بالذات على الإضرار بمجال السياحة خاصة وأنها الأساس، فلو حدث أي عمل إرهابي في أسوان ستتأثر القاهرة والعكس صحيح. فحيث كان قادم إلينا 120 سائحا، وعندما ارتكبت حادثة أتوبيس الهرم، امتنع السياح عن القدوم وهذا بدوره يسبب لنا ضررا لمدة لا تقل عن أربعة أشهر بسبب امتناع السياح عن القدوم إلى الأقصر وأسوان خوفا من أن يلحق بهم أذى. وأتذكر أيضا حادثة معبد الغرب الشهيرة التي كانت سنة 94، ظلت الأجواء السياحية معدومة في المدينة لمدة سنتيين بسببها. ونحن كمدينة الأقصر وأسوان وإدفو وإسنة اعتمادنا الأساسي على السياحة، فلا يوجد لدينا شركات ولا مصانع، فمصدر دخلنا قادم فقط من السياحة، فإذا توقفت السياحة سيلحق الضرر بأبنائنا وأهلنا. فدخل السياحة يأتي من السائح إلى "جيوبنا" مباشرة، والمتمثل في "البقشيش"، فلا يذهب لحسابات بنكية وغيرها.

س: ما رأيك في تطلع إثيوبيا لبناء سد النهضة؟ هذه الدول قد فقدت عقولها، وتريد بمصر الخراب، فمن حق كل دولة أن تفعل ما تريد بشرط ألا تؤذي جيرانها. وجميعهم أيادٍ خارجية تريد أن تلحق الضرر بمصر و"لوي دراع مصر". ومن المستحيل أن تؤذى مصر أو تنهار فهي محفوظة إلى يوم الدين، فيقول الله تعال: "اهبطوا مصر إن شاء الله آمنين"، فمهما حاولوا ومهما وضعوا من مكائد لمصر فلن يستطيعوا النيل منها.

س: بما أنك تستغرق أكثر وقتك في النيل، فماذا يمثل لك؟ النيل هو حياتي، لا أستطيع الاستغناء عنه، حتى لو أنني في قريتي بأجازة، لابد أن أذهب إلى النيل، وأتأمل فيه وأقول الحمد لله على هذه النعمة التي وهبها الله لنا، فمن غيره لن نستطيع العيش وسنلجأ لشرب المياه المالحة، فأنا سافرت إلى دول أخرى ورأيت لون المياه هناك. فمياه النيل لها مذاق مميز وحلو لا يوجد له مثيل.

س: ما هي أمنياتك؟ وهل تواجهك مشاكل معينة؟ أطلب الأمن والأمان حتى تعود السياحة إلى ما عهدناه سابقا. و"الحال يتعدل عشان نعرف نعيش". أما بالنسبة للمشاكل فلا تواجهني أي مشكلة، فنحن نعيش بالنيل ونأكل ونشرب منه، وعندما أعود لأبنائي أحاول أن أوفر لهم كافة متطلباتهم من الخضار والفاكهة واحتياجاتهم الأخرى. فالخير يحيط بنا هنا في الأقصر وأسوان.

س: هل اكتسبت شيئا من اختلاطك اليومي بالسياح؟ أنا اليوم أستطيع أن أتحدث لغات عديدة مثل الأسباني والياباني والإنجليزي وهذا من خلال اختلاطي بالسياح، فأنا لم أحصل سوى على الشهادة الإعدادية سنة 68. ولأنني أعمل في هذا المجال أحببت أن يكون لدي خبرة في لغات مختلفة حتى أتمكن من التفاعل والتحاور مع السياح، فدائما أسألهم عن رأيهم في مصر والمصريين. ودائما كانوا يجيبوني بأن مصر بلد جميلة معبرين عن دهشتهم بحضارتها العريقة ورغبتهم في تكرار الزيارة إليها، وأن المصري بطبعه مضياف وكريم يختلف عن شعوب العالم. فنحن فصيلة دمنا مكونة من الشهامة".

س: ماذا تمثل لك هذه المهنة؟ أنا بدأت عملي كبحار صغير، وكان وقتها عمري 18 عاما، وبعدها تدرجت في المنصب حتى أصبحت قائد باخرة. وفي الماضي كنت أقوم برحلات من أسوان إلى القاهرة، وبعد ذلك أصبحت أعمل برحلات من الأقصر إلى أسوان، لنقل الأفواج السياحية من الإنجليز والألمان وغيرهم، ثم بدأنا في الرحلات المصرية، حيث يعتبر هذا الموسم موسم الأفواج المصرية من الجامعات والشركات المصرية. وأقوم بالعمل يوميا، فلا يوجد لدي أجازة. ظروفي المادية ليست على ما يرام، لدي خمسة أبناء، أخرجت اثنين منهم من التعليم ليعملوا ويساعدوني في مصاريف البيت، فأنا لا أمتلك أرضا أو نخلا أو زرعا سوى هذه المهنة، والمعاش الذي أحصل عليه.