top of page

محمد القصبي يكتب: ﻻ تسخروا مني.. من أدب الإستروجين!


ماذا كان ينقص ندوة نادي القصة عن النسوية بكل تفريعاتها التنظيرية.. الاجتماعية والسياسية والأدبية؟ الندوة أقيمت مساء الإثنين الماضي.. بمبادرة ذكية من قبل د. عبدالرحمن حجازي، رئيس الإدارة المركزية للشئون الأدبية والمسابقات بالمجلس الأعلى للثقافة.. في محاولة للخروج بنشاط الإدارة إلى فضاءات أكثر رحابة عبر المنتديات الثقافية. وعلى غير العادة حظيت الندوة بجمهور غفير!.. أكثر من 40 معنية ومعني بالأدب كتابة وقراءة.. وأحيانًا.. في منتدياتنا الثقافية.. لا يتجاوز المتناثرون في القاعة ربما عدد المعتلين للمنصة! وأتذكر أنه في إحدى ندوات اتحاد الكتاب اعتلى المنصة أربعة من رموز المشهد الثقافي.. وفي مواجهتهم بالقاعة.. جلست وحيدًا! منصة نادي القصة في تلك الندوة حظيت بـ"فاهمين" جيدًا لأبعاد قضية النسوية وتطورها.. بل وموجوعين كثيرًا بما نضحت به بعض مراحلها من مرار.. وكان هذا أيضًا حال القاعة. الحوار الرائع قاده مايسترو المنصات الثقافية الروائي والناقد الكبير محمد قطب.. وكالعادة أثرى الندوة بمرجعيته المعرفية العميقة.. وكالعادة تأججت شهوة القمع بداخله في مواجهة القاعة.. وكأنه يرفع شعار "لا صوت يعلو على صوت المنصة".. حيث لا يمنح للحضور وقتًا كافيًا لأن يقولوا مثلما قال فرسان المنصة.. وبالصدفة البحتة أكون أنا أكثر ضحاياه استهدافًا برصاص قمعه!.. وهذا ما حدث معي في ندوة نادي القصة.. لذا تنبثق سطوري تلك توضيحًا لما فشلت في توضيحه خلال الندوة. د. زينب العسال أجادت التأريخ تجذيرًا وكيفًا للحركة النسوية.. بل وأراها جديرة بالإشادة.. خاصة حين شددت على أن ظاهرة المثلية تجد دعمًا قويًا من فارسات النسوية.

"بعض قائدات نسوية ما بعد الحداثة يعتقدن أن المرأة تستطيع إشباع احتياجاتها الجنسية دون الحاجة إلى الرجل.. عبر السحاق".. لكن ثمة ما أراه عدم توفيق من جانب د. زينب العسال في طرحها.. وقد أكون أنا غير الموفق "حيث نوهت إلى أن معظم من تزعمن الحركات النسوية يبندن دينيا في خانة "اليهودية".. وبدا من حديثها تلميحًا أن الأمر ينطوي على مؤامرة للوقيعة بين الرجال والنساء.. خطوة لخلخلة النظام العالمي بما يصب في صالح اليهود!! فإن كان هذا مقصدها.. فقد جانبها الصواب.. فليس ثمة أبناء دين يتآمرون على أبناء دين آخر في الغالب.. لكن الكارثة التي حلت بأبائنا وأجدادنا وتحل بنا الآن أن بعضًا من أصحاب المصالح.. سياسيين ومشايخ وقساوسة وأحبار يتوارون في عباءة الدين ليشعلوا الصراعات.. ليس نصرة للدين.. بل لتحقيق مصالحهم.. والدين.. أي دين.. منهم براء..!! وفيما يتعلق باليهود تحديدًا.. فمنهم من يناضلون بشراسة ضد الصهيونية العالمية وطفحه.. إسرائيل. وما أكثر النماذج في هذا الشأن.. المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي الذي يقود وببسالة يندر وجودها حتى بين المثقفين العرب حربًا بلا هوادة دفاعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني.. فإن لم تخني الذاكرة أتذكر أنه صرح مرة أن أمريكا وإسرائيل الأخطر على السلام العالمي.. والفيلسوفة اليهودية الألمانية جوديت بتلر التي لا تكف عن معارضة إسرائيل وتقود المظاهرات ضدها.. والبروفيسور إيلان بابه الذي كشف في كتابه "خارج الإطار" عن حملات التطهير العرقي الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني.. والتي قامت بها العصابات الصهيونية خلال حرب 1948.. وقد تلقى تهديدات بالقتل فغادر إسرائيل إلى إسكتلندا. والحاخام مير هيرش رئيس حركة أناطوري كارتا الذي ألححتُ في مقال لي بصحيفة الأخبار المسائي على ضرورة مشاركته هو أو غيره من المفكرين والأحبار اليهود في مؤتمر نصرة القدس الذي نظمه الأزهر في يناير 2018.. وكان المخطط أن تقتصر المشاركة على مفكرين وعلماء مسلمين ومسيحيين.. إلا أن مشيخة الأزهر استجابت لندائي.. ودعت الحاخام للمشاركة.. وكانت لمشاركته صدى كبير داخل إسرائيل نفسها الذي هاجمها الحاخام بشراسة خلال المؤتمر.. ليس لسياساتها التعسفية ضد الفلسطينيين فقط.. بل والأهم لوجودها أصلاً الذي أكد أنه حدث ضد الديانة اليهودية.

الكاتبة الصحفية والروائية زينب عفيفي أبدت ما يبديه الكثير.. تحفظها على مسألة تشطير الأدب إلى نسوي وذكوري.. ومن منظور زينب عفيفي وهؤلاء.. ثمة أدب إنساني.. سواء كتبته إمرأة أو كتبه الرجل.. وقد رد الناقد شوقي عبدالحميد على ذلك مسهبًا في عرض الحجج التي تؤكد أن ثمة فروقات لا يمكن تجاهلها بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل..

وإني أرى مايرى شوقي عبدالحميد.. نعم.. تحت مظلة الإنسانية نكتب.. لكن ثمة فروقًا ملحوظة.. إن اختلفت الجغرافيا.. وإن اختلف الزمن.. وإن اختلف المناخ السياسي.. والمؤكد إن اختلف النوع.. ذكر وأنثى.. يقينًا تلك الاختلافات تنعكس على انبثاقات أقلام من يكتبون.. لذا من المنطقي أن ينبت مصطلح الأدب النسوي مع كتابات فرجينيا وولف وفرانسوا ساجان وسيمون دي بوفوار. إلا أنني كمتلقٍ.. أرى- وقد أكون مخطئًا- أنه من غير الصائب زنزنة الأدب النسوي في سطور تكتبها المرأة حول همومها العاطفية وأرق النصف الأسفل. بل حين تغمس كاتبة قلمها في نهر هرمون الإستروجين وتكتب سواء في السياسة أو الحرب أو الاقتصاد.. في كل شيء.. فهو أدب نسوي.. هرمون الإستروجين يمنح المرأة حالة من التفرد.. بل التميز تبدو جلية في كل سلوكياتها اليومية.. وتفوح تلك الرائحة الهرمونية بقوة حين تكتب.. حتى لو كان عن الإرهابي أبوبكر البغدادي.. فلو كتبت زينب عفيفي رواية عن داعش.. وكتب جارها على المنصة محمد قطب رواية عن ذات الموضوع.. بنفس تسلسل الأحداث.. بنفس الشخصيات.. فلن تتشابه الروايتان.. الفروق النوعية بين المرأة والرجل ستنعكس.. ليس فقط على اللغة.. بل وعلى معمارية الرواية.. وهذا ما ألحظه حين أشارك في لجان التحكيم بأي مسابقة أدبية.. إن طُمِست أسماء المؤلفين والمؤلفات.. نستطيع أن نحدد نوع من كتب.. ذكرًا كان أو أنثى.. أنه أدب الإستروجين..! مصطلح ألح عليه في مقالاتي.. في الندوات.. حتى في روايتي ما لم تقله النساء.. وللأسف.. كلما تفوهت به- مصطلح أدب الأستروجين هذا- أقابل بالسخرية! ولدى زينب عفيفي التي لا تبدي حماسًا لـ"تشطير" الأدب إلى ذكوري ونسوي برهانًا على النقيض مما تقول.. مجموعتها القصصية "خمس دقائق"، والتي شرفت بقراءتها والكتابة عنها في الحوار المتمدن.. وصحيفة الوطن العمانية. طفلة في الثلاثينيات أو الأربعينيات أو الخمسينيات تكتب عن عالمها.. أشيائها الخاصة الصغيرة.. هذا العالم الصغير.. جذبني برحابته.. بعبقه اللانهائي من البراءة.. النقاء.. في تلك المجموعة جسدت زينب عفيفي ما قاله طاغور: أشياء المرأة الصغرى هي أشياؤها الكبرى! تلك الأمور التي يراها الرجل حين يطل عليها من برج ذكورته العالي.. المتعالي.. "توافه".. هي حياة المرأة.. المرأة جينيًا لا تنشطر عن طفولتها.. الطفلة تظل بحيويتها في داخلها حتى الممات.. هذا حال كل النساء.. حتى مارجريت تاتشر التي نعتوها لقوتها بالمرأة الحديدية.. إن توارت الطفلة بداخلها لحظة مثلاً حين اتخذت قرار الحرب ضد الأرجنتين لاستعادة جزر فوكلاند.. إلا أنها في لحظات أخرى.. هي الطفلة مارجريت.. ولو شاءت وكتبت أدبًا عن الطفولة لكتبته بروح الطفلة التي بداخلها.. وهذا ما فعلته زينب عفيفي في مجموعتها "خمس دقائق".. فاضت سطورها بعفوية من أنهار الطفولة التي تترقرق بداخلها.. بداخل كل امرأة سوية.. وهذا هو التشكيل السحري للمرأة بفضل هرمون الإستروجين.. لذا حين تكتب عن طفولتها حتى لو كانت في الثمانين.. فهي تكتب عن الآني النضر.. وليس فقط عن ماض تلاشى.. فماذا لو كتب الرجل عن الطفولة؟.. سيطل على زمن مضى.. فإن أجاد الكتابة عنه فبفضل حرفيته.. امتلاكه لأدواته الأدبية جيدًا.. وما لا يقل أهمية متعة النوستالجيا.. التلذذ بالتذكر.. والتي تمنحه حميمية وبالتالي صدقًا في الكتابة.. لكنه قد لا يصل إلى عفوية المرأة حين تكتب. فماذا إن وصل وأجاد؟ لا تفسير في هذه الحالة سوى أنه يغمس قلمه في نبع هرمون الإستروجين بداخله ليكتب! وهذا ما ألح عليه الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو في حوار مع شبكة سي إن إن.. حين قال: "أنا امرأة ... يبدو مظهري كمظهر الرجال.. لكنني امرأة.. بمعنى أنني أعمل دائماً على توطيد الاتصال بطاقتي الأنثوية.. علينا أن نوازن بين الناحيتين.. فنحن بحاجة للنظام بقدر حاجتنا للعطف والحدس.. وفي رواياتي أحاول دائمًا التركيز على الجانب الأنثوي.. كي يمكن تقبله".

ليس وحده باولو كويلو الذي يحتفي بشطره الأنثوي.. فبينما كنت غارقة في " أنا " أورهان باموق المقموعة وهي تطفو على سطح ذاكرته في كتابه المهم "أسطنبول" سمعته يقول: "مازلت أتساءل بسذاجة ما إن كان من الممكن أن أكون أفضل لو ولدت امرأة.. ماذا لو قال رجل عربي مثل هذا؟.. يقيناً.. سيكون مستهدفاً من كل ملكات السخرية من المحيط إلى الخليج.. ومع ذلك فعلها أديبنا يوسف ادريس وباح بشيء من هذا القبيل.. فإن لم تخني الذاكرة أظن أنه قال إن إبداعه يتدفق من الجانب الأنثوي بداخله ..!" الفقرة السابقة جزء من رسالة د.زينب الحناوي أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة المنصورة.. بطلة روايتي ما لم تقله النساء.. حيث تخوض خلال الرواية نقاشًا مع أستاذها الذي أحبته.. كيف؟ بفيوضات هرمون الإستروجين بداخلها من المشاعر الإنسانية الراقية والنقية كقطرات ندى الفجر.. بينما هو لم يرها إلا بنهم غريزته الذكورية.. جسد متأجج بلظى شمس الظهيرة". هل بدأت سطوري تلك متسائلاً حول ما كان ينقص ندوة نادي القصة؟ بعض زعيمات الموجة الجديدة من النسوية أو ماتسمى بـ"نسوية مابعد الحداثة"، والتي تشدد على مركزية المرأة.. يذهبن إلى أن الرجل أساء إلى الكوكب.. إلى البشرية.. حين هيمن على غرفة صناعة القرار.. حيث عانت البشرية من الظواهر اللاإنسانية كالاستعمار وقهر الشعوب.. وبالتالي ينبغي إقصاء الذكر عن غرف صناعة القرار.. وليترك الأمر للمرأة.. حينها سيتم ضبط إيقاع الحياة على الكوكب.. لينعم البشر بحياة أكثر جمالاً.. أكثر سلامًا وأمنًا وعدلاً..أكثر انسانية.. وإني أرى خيارًا آخر.. الحياة لا يمكن أن تسير بجناح واحد.. رجل أو امرأة.. بل بالجناحين معًا.. وهذا لن يتحقق بشكل عادل إلا بعد معالجة الذكر مما يعانيه من خلل.. لذا كنا في حاجة إلى أن يجاور محمد قطب على منصة نادي القصة عالم فسيولوجي.. ليقدم لنا وصفة عن كيفية زيادة سرسبة هرمون الإستروجين في عروق الذكر قليلاً.. ليكون رجلاً.. ليكون إنسانًا!

Comments


bottom of page