لقطات من حياة "البخيل"


توفيق الحكيم، الأديب والمفكر المنعزل مع نفسه، المنصب على القراءة، وذلك لما وضعت أمه من حواجز بينه وبين أهله من الفلاحين، كانت مثال للأم التركية الأرستقراطية المعتزة بأصولها، ومن حينها جعل الكتاب صديقه الوحيد.

أما أبيه فكان من أثرياء الفلاحين، كما كان يعمل في سلك القضاء، لذلك فقد درس القانون تلبية لرغبة أبيه، لكنه تركها واتجه لدراسة الأدب لولعه بالقراءة والمسرح، كان ذلك وقت ذهابه لباريس، لإستكمال دراسته، لكنه لم يخضع لرغبة أبيه، وبدأ بتأليف بعض الروايات والكتب، أصبح أبو المسرح في مصر والعالم العربي، وأحد مؤسسي فن المسرحية والرواية والقصة في الأدب العربي الحديث.

أحيانا كان يرى الحكيم أن الحيوانات والطيور أوفى من البشر، فقد كان مغرما بالطيور والحيوانات، وعادة ما يقوم بالتصوير معهم، ليعرض على أصدقائه رسالة وفاءهم. كانت عقدته هي التسجيل والميكروفون، لكن تحداه سمير صبري في ذلك، فقد جمعه على مائدة واحدة مع عمالقة الفن، وقام بالتسجيل لهم دون علمه، وعندما سأله:"إنت بتسجل ياصبري؟"، نفى ذلك ولكنه فوجيء بعدها بعرض الحديث كاملا، فقال لسمير صبري: "انت تعرف ان انت أول واحد يعمل معايا الموقف ده ويسجلي وأنا بكره الميكروفون جدا"، ولكن انحلت عقدته من التسجيل بعد ذلك.

ترك لنا "البخيل" إرث عظيم من الأعمال الأدبية، من أبرزها "عصفور من الشرق، يوميات نائب في الأرياف وشهرزاد وأهل الكهف وحمار الحكيم والرباط المقدس والملك أوديب والتعادلية وأعمال أخرى كثيرة، حول العديد منهم إلى أعمال سينمائية ومسرحية.

التعادلية مع الإسلام والتعادلية، الكتاب الذي شرح فيه نظريته ومذهبه في الحياة، من خلال 130 صفحة، وقد أقبل في هذا الكتاب على النقد والتحليل، ليس لغيره من الأدباء والمفكرين بل لنفسه، وهي الظاهرة المستحيلة والغريبة، فمن المستحيل أن يكتب شخص في مكانة توفيق الحكيم، ثم يأتي لينقد هو نفسه ويحلل كتاباته.

يصعب علينا بعد تلك الثروة الفكرية أن نطلق عليه لفظة "البخيل"، فهل كان سخي في فكره علينا، بخيل على نفسه أم أن ذلك اللقب لاينطبق عليه؟!

"أنت جواد وتزعم أنك بخيل، وأنت ماهر ومداور وتزعم أنك ساذج وصاحب جد، وكذلك صورت نفسك للناس بصورة ليس بينها وبين الحق من أمرك صلة"، كانت هذه كلمات طه حسين حول بخل الحكيم، لكن الرد يتنافى مع القول "لماذا قلت إني لست بخيلاً؟ ستسلط الناس عليَّ وسيأتون يطلبون المزيد".

كذلك قال محمد حسنين هيكل في بخل توفيق الحكيم" كنا نتناول طعام الغذاء معًا كل يوم، يدعوني مرة، وأدعوه مرة ليتوازن الحساب، وكان دائمًا دقيقًا في دفع الحساب"، وتابع: "كانت له قواعد أثارت عجبي، حيث وضع قانونًا للحساب بيننا، فإذا كانت الدعوة عليه يشترط هو اختيار المطعم، وأنا اختار نوع الطعام، وإذا كانت عليَّ أختار أنا المطعم، ويختار هو لي نوع الطعام الذي أطلبه، وهكذا يضمن في كل الظروف أن يتحكم في الميزان"، لا نستطيع أن نحدد هل هذا تبرئة من البخل أم إدانة له.

"في تقديري أن توفيق الحكيم أعطى مصر أكثر ممّا أخذ منها.. أعطاها الباقي وأخذ منها الزائل"، كلمات دكتور لويس عوض عن النائب في الأرياف، والتي تلخص كل القول عن نائب الأرياف توفيق الحكيم، وفي السادس والعشرون من يوليو، وفي ذكراه الثانية والثلاثون لايزال البخيل بيننا بفكره وأعماله ومذهبه.