طحنته الحياة.. ولكن!!


عم مصطفى يتحدى فقره بكفالة طفلة..

(دائما تجعلك الحياة تعيش فيها مرغوم فأنت تريد ولكن يفعل القدر ما يريد) هذا مابدأ به العم مصطفى كلامه. كان شاب فى مقتبل العمر، فنشأ فى محيط أسرة هو أكبر الأبناء، كان له أب ميسور الحال ويوفر له كل ما يتمنى ، فاكان نصيبه من الحياة أفضل الأشياء كما كان يرى، كان يهوى لعب كرة القدم، وكان يجيد ذلك بمهارة، من ما أسفر عنه شهرة بين أصدقائه ومن حوله.. قال عم مصفى (كنت لعيب وقتها)، والجميل فى ذلك أن الكل يتودد له ويتقرب منه.

كان نصيبه من التعليم متوسط حيث ألتحق بمدرسة ثانوية تجارة، وأصبح رئيس اتحاد طلاب المدرسة، ومن هنا بدأ الجميع يعرفه وتصبح له علاقات كبيرة، وبأعلى المستويات، وبعد أن حصل على الدبلوم، أحب فتاة وطلب من والده خطبتها ووافق والده، وخطب الفتاة، إلى أن ذهب إلى الجيش، وكان من الجنود الذى كان الذين كان لهم من نصيب فى حضور (حرب الخليج سنة ١٩٩٠) وأوضح عم مصطفى أن هذا كان له تأثير كبير على شخصيته بشكل غير عادى وجعله يغير من أسلوب حياته من شاب عادى إلى رجل مسؤول، يعرف معنى الجهد والتعب والإلتزام.

لكن سرعان ماتبدل الحال من النقيد إلى النقيد، فلم يتم مشروع الخطوبة، وأصبح الأب بعد أن كان رجل ميسور الحال إلى رجل فقير، (بقى صاحب مرض) كما وصفها عم مصطفى، أصيب الأب بسرطان فى الرئة من ما جعل كل الأمور والظروف تتغير،كان الأب له من الأولاد خمسة ( ثلاثة أولاد وبنتين)، اشتد المرض على الأب، وما كان من الجميع إلا والصبر على ما أصاب الأسرة، فخرج جميع الأولاد من المدرسة، واشتغلت الأم فى البيوت، واشتغل الأولاد من أجل توفير ثمن العلاج للأب ولكن دون جدوى، توفى الأب، وأصبح مصطفى الإبن الأكبر هو المسؤول عن الأسرة، فأصبح الأخ والأب، قائلاً (وصارت الحياة كلها ألم وعذاب بعد الأب)، ومن هنا قرر مصطفى تحدي الحياة، وأن يقف مع اخوته حتى يصل بهم إلى برّ الأمان وهذا بمساعدة والدته.

تحدى الجميع من أجل البقاء دون مساعدة من الآخرين، (من قريب ولا من بعيد)، ومع الوقت تزوج مصطفى ثم بعد ذلك تزوج اخوته جميعا، ولكن هذا بفضل مصطفى الأخ الأكبر الذى أنكر ذاته ورضى بأقل القليل، لكي يوفر لاخوته الكثير، وكبرت أسرة مصطفى، إلى أن أصيبت الأم هى الأخرى بمرض كان أقوى من تحملها، فاكانت تحتاج إلى عملية قلب مفتوح، وهذا جعل مصطفى يحارب وحده من أجل أمه، لأن جميع أخوته ظروفهم المعيشية سيئة، لا يملكون من الحياة غير قوت يومهم.

ظل مصطفى السلاح الوحيد للأسرة، ولأنه يملك علاقات جيدة منذ إن كان فى مقتبل عمره، وكان يملك أصدقاء كثيرة من ذوى المراتب العليا، فطلب المساعدة من معارفه وأصدقائه على أمل تقوم أمه بالعميلة على نفقة الدولة، وبالفعل كان أحد أصدقائه له الفضل في ذلك، وبالفعل تم حجز الأم فى معهد ناصر بالقاهرة، لإجراء العملية ولكن ساءت حالة الأم، ولم يمهلها القدر من الشفاء فماتت.

وأصبح مصطفى هو الأب والأم والأخ لجميع العائلة، ومع مرور الوقت تغير الحال، أصبح الأخوة مشغولين بحياتهم، وتفرقوا جميعا فى دوامة الحياة والمسؤولية، وقال العم مصطفى حزينا (أنهم نسوا جميعاً مساعدته بكل ما يملك من حب وجهد من أجل ان يصل بهم إلى برّ الأمان) وبعد ذلك سافر إلى عدة بلاد باحثاً عن رزقه ، وأنعم الله عليه بالخير، وكان يوزع هذا الخير على اخوته، بجانب انه زوّج اخوته من البنات، وعاد بعدها واستقر فى مصر بلده، حيث أصابه من العذاب الأكبر: فقد أصبح أب لأربعة أبناء، كانت الأيام تمر عليه بسرعة شديدة، الشاب اليافع القوى أصبح فى الأربعين من عمره، واكتشف انه يحمل بعض الأمراض داخله، حيث اكتشف انه يحمل مرض فى الكبد، بالإضافة إلى مرض آخر بالوراثه وهو حساسية على الصدر، وبعدها أُصيب بجلطة فى الرئة مما جعلته يُحتجز فى مستشفى الأزهر بالقاهرة، وخرج منها بسلامة، ثم تكررت الجلطة، فاحُتجز فى مستشفى الجامعة بالمنصورة، حيث أصبح مريض لا يقدر على العمل، وقال: (إن هذا لم يحزنه أبدا لأنه يؤمن بأن كل شئ مقدر من الله وأن المرض رزق مثل كل الأرزاق التى يرزقنا بها الله)، ولكن أكثر مايحزنه أبنائه لأنه يرى أن الزمن يُعيد نفسه مرة اخرى، المرض هو الأقوى، والظروف هى الأصعب، لانه كما احتمل الألم والمرض والمسؤولية فى سن شبابه، تحملهم أيضا وهو فى سن كبير.

الغريب أنه عمل مهن كثيرة من أجل توفير المال للأسرة، حيث عمل أيضا (مبيض محارة) وكانت هذة هى مهنة العائلة، إلى أن حدث له حادث: حيث سقط من على (السقالة) ولم يستطع أن يعمل فيها مرة أخرى. وعمل بعد ذلك فى قهوة شعبى لمدة عشر سنوات، كانت الحياة تمر مرار الكرام، حتى أوقفه المرض عن العمل تماماً، فقرر عمل (فرشة خضار) على إحدى الأرصفة ويجلس هو وزوجته عليها، ولكنه قال: (بس الأولاد لما تكبر المسؤولية بتكبر)، وأصبح هو وأخته كالغرباء لا ودّ ولا زيارات، قائلا: (زي مانكون مقطوعين من شجرة)، كبرت المسئولية على عم مصطفى فاكان كل همه هو توفير قوت عيشه، وإيجار سكنه.

وأصبحت الأيام صعبة عليه، ورغم ذلك شاء القدر ان يلقى عليه مسؤولية أكبر، فلم يتردد ابدا، ففى إحدى الأيام ذهبت زوجته لشراء بعض الخضروات لعملهم ولكنها عادت إليه حاملة طفلة فى أيديها، فاستغرب وسألها (من تلك الطفلة، جايباها منين!) فأجابت زوجته أنها وجدتها ملقاه على الأرض وسط القمامة، فتفاجأ عم مصطفى وأخدها من يديها وضمها إلى صدرة بكل حب وحنان، وعاهد الله أن تصبح من أبنائه لا يفرط بها أبدا، وقام بقفل (فرشته) وأخذها إلى الطبيب ليطمئن عليها، وأخبرهم الطبيب ان عمرها ٢٤ ساعة فقط، ووصف لها بعض الأدوية، ومايلزم لها من مأكل وعناية، وذهب بها إلى البيت، وأخبر أبنائه، قائلا لهم: (هي من الآن أخت لكم) ففرح أولاده بها ورحبوا بها بحب شديد لم يتوقعه.

لكن الله أراد ان يختبر صبره وقدرته فهل سيتحمل كفالة الطفلة أم أنه سيفرط فيها؟؟ (هذا ما وصف عم مصطفى حاله)، وضاقت الحياة أكثر وأكثر، وأصبحت الظروف أصعب، الديون أصبحت كثيرة ولكنه لم يفكر فى التفريط فى الطفلة، أصلحت أغلى من أبنائه، وكانت زوجته تبكى على الطفلة لأنها كانت تتمنى أن تقدم لها حياة أفضل، وشاء القدر أن تصبح مثل بناته وستظل كذلك.

كانت الأم لا يشغلها فى حياتها غير أنها توفر احتياجات الطفلة من لبن وغيره حتى تكبر، وفى إحدى الأيام كان السوق راقد لايوجد بيع ولا شراء، فلم يبيع عم مصطفى فى هذا اليوم (بأربعين صيغة) كما قال، وظل جالس لكى يبيع حتى كيلو طماطم بخمسة جنيهات لكى يشترى للطفلة علبة اللبن، لأن اللبن الخاص بها على وشك الأنتهاء، فازوجته طلبت منه المجئ بعلبة لبن وهو عائد للمنزل، فظل طول الليل فى السوق من أجل اطعامها وشرابها، ومرت الأيام حتى بلغت عامها الثانى، واصبحت تأكل وتشرب وتمشى، وأصبح عم مصطفى لديه خمس أبناء ومن كثرة الديون ذهب إلى إحدى شركات القروض لطلب بعض المال من أجل سداد ديونه، ولكن أحد الأشخاص عرض عليه العمل فى هذة الشركة، فقال عم مصطفى (ياريت)، لكنه قال له: (لو اشتغلت مش هاينفع تاخد قرض من الشركة)، فقال إنه يفضل العمل والراتب الشهرى، وبالفعل كان له نصيب وتقدم بأوراقه، وقُبل.

وأصبح موظف فى الشركة، وكان عمله عامل بوفيه ونظافة. وكان سعيد جدا بذلك المكان والعمل، وقال: (إن الله يريد له الخير ووجد الحب والاحترام من الجميع من المدير إلى جميع الزملاء، فهم يقدرونه، ويرفعون من شأنه، ويقفون بجواره فى كل ثغرة فى حياته، ويجمعون كل شهر مبلغ من المال واعطائه له كمساعدة منهم جميعا).

وقال أحد موظفين الشركة: إن العم مصطفى من أكفأ الناس التى رآها وأنه يخاف الله فى أفعاله ويتمتع بثقافة عالية، ولا يقل عن أحد فيهم فى عقله وثقافته بل يزيد عن بعض منهم، فهم فيعتبرونه كأب لهم. ويرى العم مصطفى أن الله عز وجل كافئه على رحلة حياته واخلاقه وعمله الخير ومن أجل صله الرحم وابتغاء مرضات الله عز وجل.

وهو الآن فى الخمسين من عمره، ومازال يعمل ويجتهد راضِ بما قسمه الله له، وأصبح لايقوى على الجهد كما كات يفعل فى السابق ولكنه سعيد، وقال إن كل ما يطلبه من الله أن يقويه ويعينه في تربيته لأبنائه الخمسة.