ثورة قلم


انا كما كنت

من الصعوبات التي تعترض تطبيق الحب في الخليج العربي ، أن أعظم أنواع الحب مثالية قد لا يشير عندها إلى أي شيء مرغوب فيه أو محبب في من نحب وإلا كان حبنا مشروطا، وبالتالي كان حبا غير مثالي. وحينذاك فإن الشخص الذي يكون موضوعا للحب سيكون في مأزق مؤبد: أنه حتى يكون موضع حب صادق من طرف شخص آخر فإن عليه أن لا يكون - أي شكل من اشكال الاستغلالية . وهذا يعني بعبارة أخرى أنه لكي أتيقن من أنك تحبني حبا صادقا فهذا يعني أن أتأكد من أنك لا تحب ذكائي أو جمالي أو خلقي، أو انجذابي نحوك والاهم لا يهمك ان اعطيتك جسدي وغير ذلك.

ولكن ما الذي يتبقّى مني إذا عُرّيت من كلّ ما أملك من تلك الصفات؟ الحقيقة أن النظر إلي بمعزل عن تلك الأشياء يبدو أمرا غير معقول؛ فإذا أحببتني حبا غير مشروط فأنت تأخذ الصفات في الحسبان وتحبها ولكن ليس بما تتضمنه من شيء جيد. ولهذا عليك أن تنظر، على سبيل المثال، إلى مزيّة شخص ما وتحبّ تلك المزيّة، لكن ليس لأنها مزيّة محببة بذاتها بل لأنها شيء يتعلق بمن تحب.

وبالطريقة نفسها نقول: إذا أحببتني دون شرط، فعليك أن تحبّ مزاياي، بمعنى أنك تحبّها بوصفها أشياء أملكها لا لأنها في الأصل مزايا محببة.

فهل كنت سأُسَرّ لأنك تحبني بمعزل عن الأفعال التي أفعلها؟ وهل أريد منك أن تحبّ مزاياي لكن ليس بسبب ما هو محبب فيها؟ أليس جيدا لمن هو في حالة الحب (المحبوب) تأكيد كونه محبوبا في شخصه أو أفعاله؟ فنحن لا نستطيع أن نجرد أنفسنا عندما نكون في موضع الحب من مصدر قيمة أساسي، أعني حاجتنا إلى تأكيد شعورنا بقيمة أنفسنا عبر محبة الآخرين لنا.

إذن، فالحب غير المشروط يقتضي أن نحب جميع الأشخاص –وقد نحب جميع الأشياء– من دون أن ترتبط برغباتنا نحو (مَنْ) و(ماذا) نختار أن نحب. قد تكون فيهم بعض الصفات المرغوبة، فيلزم من هذا أن نحبهم لكن ليس من أجل حسن هذه الصفات. علينا حب هذه الصفات بقدر تعبيرها عمن نحب، وليس لأنها محبوبة في ذاتها.

وفي ضوء هذه الاعتبارات، يستحيل أن أحب جميع الأشخاص والأشياء إلا إذا انعدمت الشروط لدي لحبهم جميعا. ويبدو واضحاً تماماً أيضا أن أحدا منا لا يستطيع ذلك، وبالتالي فجميعنا يحب بشروط. فالحب غير المشروط لا وجود له على الإطلاق. وحتى الكلام على حب إلهي مطلق يقتضي تقديم برهان واضح ومتماسك جدا لنتمكن من تأكيد صحة الافتراضات التي سقناها آنفا وقلنا إنها تعترض طريق تطبيق هذا المفهوم.

فلو نظرنا بدقه الى الاوضاع التي تمر بها المجتمعات العربية والاسلامية الملقى على أجساد النساء، هو تاريخ طويل من الغموض الدامس الذي لم يوضح الى الان الحقيقة المطلقه في مسالة الحياة والنضوج المجتمعي في الرجل للمرأة، ومن سيطرة السلطة الذكورية على النظام الاجتماعي لدينا فعبارة “أنتِ شرفي” التي يرددها كل رجل لكل امرأة تربطه علاقة بها، هي مفتاح فهم هذا الإشكال التاريخي العميق في ثقافتنا، وهي العبارة التي توجز المغزى في أن يلقي الرجل بكلمة الشرف على عاتق جسد المرأة، بكل ما تحمله كلمة الشرف من إرث تاريخي ثقيل ومشوه ومليء بالذنوب والهزائم ، هذه الكلمة التي تحمل معاني عُصابية وشديدة التعقيد النفسي عن مجال الجسد والمتعة.

والتفكير بمسألة الشرف لا يمكن أن ينجز بمعزل عن الدين، وعن مفاهيم مثل الحلال والحرام والطهارة والنجاسة، وعن مفهومي القوامة والوصاية تحديدًا، فالقيم الانسانية اصبحت من اهم لغات التعايش البشري ومكون ثقافي رئيس في المجتمعات العربية- يشكِّل القاعدة الأساس في تحمل المرأة وحيدة عبء الشرف، وإذا كانت ثقافة بعض المجتمعات العربية قبل الإسلام تحمل أجساد النساء مسؤولية شرف الرجال، فإننا اليوم أمام تشريع ديني لهذه المسؤولية لا يختلف فيه مجتمع عربي عن آخر.

في المجتمع اليوم من السائغ جدًا أن يشترط الرجل على زوجته الحجاب، أو التزام العمل في قطاعات نسائية منفصلة؛ وذلك لأنه رجل متدين يسعى لطاعة الله، بينما لا يجد هذا الرجل في نفسه مسؤولية التزام هذه الطاعة كما يشترطها في زوجته، أو أخواته؛ ذلك لأن الرجل العربي ينشأ على فكرة الوصاية تجاه النساء في عائلته، والدته مثل بناته تنزل في ذات المنزلة من شعوره بالوصاية عليهن، تلك الوصاية التي تخوله ليفرض عليها ما يخص علاقته بربه، ما يظنه هو معصية سيمنعها منه بسلطته عليها، وما يعتقده حسنة سيفرضها بذات السلطة سواء كانت قوامة أو ولاية.

العلاقة بين الإنسان وربه يفترض أن تكون علاقة عامودية بلا وساطات أفقية بمعنى أنها علاقة مباشرة لا تمر عبر وسائط أيما كانت هذه الوسائط، هذا هو جوهر فكرة التوحيد في الأديان السماوية الثلاثة، لكن تاريخ المجتمعات المتدينة شهدت دائمًا انحرافات مختلفة في عامودية هذا العلاقةومن أهم هذه الانحرافات في العلاقة بين الرجل والمرأة وما يحدث في المجتمع العربي اليوم هو صورة أخرى لهذا الانحراف، يبدأ الرجل في تعبد ربه من خلال المرأة، يفرض عليها الحجاب ولا يفرض على نفسه صلاة الجماعة، يفرض عليها عدم العمل في قطاع مختلط، ويدير هو قسمًا نسائيًّا، هذه الحالات ليست ازدواجية بالنسبة لتفكير الرجل، فهو يشعر أن من مسؤوليته علاقة المرأة بربها هو لا يتعدى على شيء بل يؤمن في قرارة نفسه أنه واجبه الديني قبل أن يكون واجبه الاجتماعي.

الارتباط بين الديني والاجتماعي يصعب فصله في المجتمع ، فالرجل الذي يتعبد الله من خلال النساء حوله لا يجد حرجًا في الاستشهاد بالآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية التي تؤكد وجهة نظر سلطته على المرأة في أن تحتجب أو أن تنعزل في العمل المختلط هو يجد في الدين ما يسوغ سلطته الذكورية على المرأة فرغم عدم التزامه بالأوامر الدينية الأخرى المفروضة عليه كرجل، إلا أنه لا يثور ولا يغضب لحق الله وحرمة أوامر الدين في نفسهبل سينجرح قلبه وسيفور دمه لأجل حرمة أوامر الدين في المرأة، إنه يعلم يقينًا أن لا تزر وازرة وزر أخرى، لكنه يمارس سلطته على النساء ليتعبدوا الله عنه، ويكفروا عن وزره هو.

الرجل الذي يكسل في تعبد الله يعين من المرأة وسيطًا له، فيحملها تنفيذ الأوامر الدينية ليرضي ضميره تجاه ربه إنه يعجز عن ممارسة العبادة فيأمر النساء تحت وصايته وولايته على تعبد الله هو لا يضيره أن يحلق لحيته على عكس الأمر الديني لكنه يتألم ويبكي ويجزع على المرأة التي لا تحتحب، لا لشيء إلا حرمة لأمر الله.

هذه الصور من تعبد الرجل بوسيط المرأة هي من يردف بكل قوة تحمل أجساد النساء وحيدات لمعاني الشرف الثقافة الاجتماعية العربية التي تحفل بالآلاف من جرائم الشرف يوميًّا، يعرف الناس فيها أن المرأة لا تملك أمر كشف وجهها أو شعرها لكنها تحمل كل أوزار الرجال وضمائرهم المذنبة في جسدها الأنثوي.

لا تحزني على ما مضى يا صغيرتي فانه لطاحونة الحياة تاخذ بالانسان حيث لا يعلم وعيشي كما انتي فمن يطمح للوصول لك سياخذك كما كنتي قبله

Mustafaalbalushi93@gmail.com

الوسوم: