مستقبل أبنائنا .. بين الطموح والتحديات


محالٌ أن يجادل عاقل، أو أن يجحد ذو إنصاف، ما أسكنه الله بفضله وأفاض به على قلوب الآباء والأمهات من الرحمة والعطف والشفقة على أبنائهم وفلذات أكبادهم.. فهي بحق فطرة الله التي فطر الناس عليها..

ولا يُتصور كائناً منجباً في العالمين لم يهبه الله هذه الرحمة الفطرية على صغيره، فكما ورد في الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن ذلك الجزء من المئة جزء من الرحمة الذي أنزله الله بين الخلائق ليتراحموا فيما بينهم .. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه..

وفي سنن أبي داوود من حديث عامر قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل رجل عليه كساء، وفي يده شيء قد لف عليه طرف كسائه، فقال: يا رسول الله إني لمّا رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فاخذتهن فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن، فلففتها معهن، وها هن فيه معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " أتعجبون لرحمة أم الفراخ فراخها؟)، قالوا نعم يا رسول الله، فقال: فوالذي بعثني نبياً للهُ أرحم بعباده من أم هؤلاء الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن). فرجع بهن وأمهن ترفرف عليهن..

فسبحان الله الذي أودع هذه الرحمة العظيمة وملأ بها قلوب الآباء والأمهات.

فالأب الحنون بفطرته لا يهنأ له عيش حتى يَرضَى أبناؤه ويهنئوا .. والأم الرؤوم بطبيعتها لا تسعد بحالٍ حتى تطمئن إلى سعادة حال أبنائها .. وبهذا تستمر الحياة، و تتوازن حركتها، وتستقر إلى ما شاء لها الله خالقها.

ومستقبل أبنائنا هو ذلك الجزء من الزمن بحوادثه المتلاحقة والذي سيعيشونه في الحياة القادمة من بعد حاضرنا إلى ما شاء الله لهم، وبما قدره لهم فيه من خير وشر، وحلو ومر ..

وأغلب ما يكونُ منه جزءٌ طال أم قصر في حياة والديهم أو أحدهما، وأما الآخر كذلك فسواء طال أم قصر سيواجهونه بمنأى عنهما .. فرادى في معترك الدنيا وصراعاتها.. (فمنهم شقيٌ وسعيد).

وتنبع أهمية المستقبل من كونه يحمل توصيفاً للحياة القادمة التي سيحياها الإنسان في قادم زمانه، وما أكثر ما كان يصفه البعض في تمنياتهم لكل عزيز لديهم .. بالسعيد والباهر والمشرق والزاهر .. إلى غيرها من صفات البهجة والسعادة والرخاء والهناء...

وإذا كانت سُنَّة الحياة فينا أن "أحبب من شئت فإنك مفارقه" .. فقد جبلت نفوسنا على قدر من الخوف والشفقة على مستقبل أبنائنا الذين ندرك أننا حتماً يوماً ما سنفارقهم ونرحل عنهم .. ونتركهم ونغادرهذه الحياة ..

ومن أجل ذلك يتداعى إلى أذهاننا سريعاً .. ويملأ خواطرنا دائماً مزيجٌ من الشجون، والقلق، والفكر، والهموم .. حتى أن القرءان الكريم قد أشار إلى بعض هذا المعنى في أكثر من موضع، كقوله تعالى : "وليَخْشَ الذين لو تركوا من خلفهِم ذُريةً ضِعافاً خَافوا عليهم فليتقوا اللهَ وليقولوا قولاً سديداً"..

فالبحث الدائم عن الضمان المستقبلي هو هاجس فطري من هواجس الأبوة تجاه أبنائهم.

ألا ترى كيف أن الطائر يبحث عن العش الآمن لأفراخه؟ والقطة تلوذ بالمكان الخبئ لصغارها؟ بل رأينا حتى السمكة التي تسكن في أعماق المحيطات لا تأمن أن تضع بيضها إلا في قلب صخرة تظل تبحث عن مخارجها ومداخلها خوفاً عليه من الأعداء.

وفي خِضَم ما يجتاح حياتنا من اضمحلال أخلاقي مدمر.. وتقلبات اقتصادية قاسية تعتريها بين الفينة والأخرى .. والانعكاسات المريرة لذلك على حياة الشخص وأسرته التي قد يصيبها التفكك والضياع، أو أن تتردد بين شظف العيش .. وشقاء عائلها بحثاً عن الوظيفة .. فضلاً عن صعوبة احتفاظه بها .. ورحلة المعاناة بين ضعف أو زوال وفقدان مصادر الدخل ... كل ذلك يستدعي أن يفكر الآباء في مستقبل أبنائهم .. يا تُرى كيف سيكون مستقبلهم، وحياتهم القادمة؟

لكن لا ريب أن التخطيط السليم لمستقبل الأبناء هو الخطوة الأوفق التي يجب ألا يقف دونها تزاحم هموم الفكر وشجونه.

فبالتخطيط المخلص القائم على أسس علمية يستطيع الآباء أن يسهموا ويساعدوا أبنائهم على مواجهة تحديات ومخاطر المستقبل والحياة القادمة..

فهلّا سائلت نفسك أيها الأب الرحيم بأبنائه كيف أُعد ابني إعداداً شاملاً أخلاقياً وتربوياً وعلمياً ونفسياً لمواجهة مستقبل حياته، وما قد يعتريها من تقلبات في شتى المناحي ومختلف المجالات ليكون مواطناً صالحاً نافعاً لمجتمعه؟

قيل إن هناك ثلاثة مفاتيح جوهرية للعملية التربوية:

"العلم بشؤون الأبناء، ثم الصبر على تعليمهم وتأديبهم، والدعاء لهم بالصلاح والنجاح".

وأنت أيتها الأم الرؤوم هلّا أعددت ابنتك من أجل أن تكون لبنة صالحة في أسرتها الصغيرة، والتي هي نواة لمجتمعها؟

سُئل حكيم عن خير النساء فقال:

التي تُرضي ربها، وتُدلل زوجها، وتُصلي خمسها، ولا تُخرج سرها، إن وجدت من زوجها خيراً شكرت، وإن رأت منه شراً صبرت، وإن دخل عليها سُرت وتبسمت، وإن خرج من بيتها حزنت وتشوقت، وإن غضب منها تحمّلت وتحلّمت، وإن أقبلت عليه أعجبته، وإن غاب عنها حفظته، وإن رأت عيبه سترته، وإن اعتذر منها عذرته.

إن الاهتمام بمستقبل أبنائنا والإقبال على التخطيط له بعناية وبمنهجية علمية قويمة لهو الضمان الأقوى والنهج الأرشد لإقامة حياة مستقبلية هانئة للأمة بأسرها.

فالفرد هو لبنة الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع، يصلح بصلاحها كما يفسد بفسادها.

وطموحات الأبناء بالطبع يجب أن لا تنحصر في درجة علمية عالية، أو وظيفة مرموقة، أو مستوى معيشي راقٍ ... فالمنظور الفكري الضيق، والنظرة السطحية للأمور إذا استشرت في مجتمع ما أحالته إلى ما يشبه مضمار السباق .. وسرعان ما ينهار ثم يزول.

ولكن الطموح الأسمى في رأيي هو أن يبحث الأفراد عن سعادة المجتمع بأسره، فهو الهدف الذي يجب أن نزرعه في نفوس أبنائنا، وأن يسعى من أجل تحقيقه الجميع، وتتضافر من أجله كل الجهود .. والسؤال الذي يجب أن نظل نبحث عنه جيلاً بعد جيل لتحقيقه هو: ما الذي يحتاجه المجتمع ليكون سعيداً؟ وماذا يمكن أن أقدمه لمجتمعي لزيادة رفاهيته ورخاءه والخير العميم؟

لا ننكر إن التحديات الخطيرة التي تواجه مستقبل أبنائنا متنوعة وكثيرة .. بل وتتطور وتتعقد وتتشابك يوماً بعد يوم .. فالابتعاد بهم عن القيم الروحية والأخلاقية تحدٍ فتاك يدمر الفرد والأسرة والمجتمع .. وانغماسهم في مضار التطور التكنولوجي، وانزلاقهم إلى مضمار سباقه المحموم دون وعي أو تحصين هو تحدٍ آخر خطير .. وتتبع الشهوات وسيطرة الماديات على القلوب والنفوس كذلك تحدٍ آخر مهلك ومبيد.

جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أبٌ كبيرُ السن، يشكو إليه عقوق ولده، فقال: يا رسول الله، كان ضعيفاً وكنت قوياً، وكان فقيراً وكنت غنياً، فقدمت له كل ما يقدم الأب الحاني للابن المحتاج. ولمّا أصبحت ضعيفاً وهو قوي، وأصبح غنياً وأنا محتاج، بخل عليّ بماله، وقصّر عني بمعروفه، ثم التفت إلى ابنه منشداً:

غذوتك مولوداً وعُلتك يافعاً ******* تعلَّ بما أدني إليك وتنهلُ

إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبِت ******* لشكواك إلا ساهراً أتململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي ******* طُرقت به دوني وعيني تهملُ

فلما بلغت السن والغاية التي ******* إليها مَدَى ما كنتُ منك أؤملُ

جعلت جزائي منك جبهاً وغلظةً ******* كأنك أنت المنعمُ المتفضلُ

فليتك إذ لم ترعَ حقَّ أبوتي ******* فعلت كما الجار المجاور يفعلُ

فأوليتني حقَّ الجوار ولم تكن ******* عليَّ بمالٍ دون مالك تبخلُ

فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

فالقول الفصل إذن أنه ما لم يكن هنالك توعيات متواصلة، ونصائح مباشرة، وتنوير مستمر.. فسيتوالد في مجتمعاتنا أجيال لا تنكر منكراً، ولا تعرف معروفاً .. (والعصر . إن الإنسان لفي خُسر . إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصواْ بالحق وتواصواْ بالصبر).

العلامات: