top of page

61 مغربيًا في الجزائر عبر المسار التونسي: قضية أمنية أم حلقة في صراع إقليمي أوسع؟

قبل 4 ساعات
4 دقيقة قراءة


بقلم نورة حفيّظ- تونس


توقيف 61 مواطنًا مغربيًا في الجزائر، واتهامهم بالتخطيط لأعمال تخريبية، يفتح ملفًا يتجاوز حدود مدينة وهران إلى أسئلة حول أمن الحدود، ومسارات العبور، والتنافس الجزائري المغربي. وبينما تظل الأدلة التفصيلية غير معلنة، يبرز سؤال آخر: ما الذي نعرفه فعلًا عن هذه القضية، وما الذي لا نعرفه بعد؟

أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني الجزائرية، الأحد 11 أكتوبر 2026، توقيف 61 مواطنًا مغربيًا قالت إنهم كانوا يستعدون لتنفيذ أعمال تخريبية تمس الأمن والنظام العام. ووفق البيان الذي نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، تضم المجموعة عسكريًا مغربيًا سابقًا، وقد أُحيل الموقوفون إلى وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي المتخصص في وهران.

وتحدثت السلطات عن حجز جوازات سفر ومبالغ مالية بالدرهم المغربي واليورو، لكنها لم تكشف، في المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها، طبيعة الأهداف التي يُشتبه في استهدافها، أو الوسائل التي كان سيجري استخدامها، أو هوية الجهة التي يُعتقد أنها تقف وراء المجموعة. ولم تتضمن التقارير المتاحة تفاصيل موثقة عن ضبط أسلحة أو متفجرات.

وهنا تبدأ المسافة بين الإعلان الأمني والقراءة الصحفية: فالإعلان عن توقيف أشخاص بتهم خطيرة لا يغني عن معرفة الأدلة التي تستند إليها الاتهامات، ولا يحسم وحده طبيعة القضية أو امتداداتها المحتملة.


//تونس في مسار القضية: عبور عادي أم ثغرة أمنية؟//


أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام بالنسبة إلى تونس هي الرواية الجزائرية لمسار المجموعة. فقد أفادت السلطات بأن المشتبه بهم وصلوا جوًا إلى تونس، ثم دخلوا الجزائر عبر مسالك جبلية وممرات غابية بمنطقة القالة في ولاية الطارف، قبل الانتقال برًا إلى وهران.

إذا تأكد هذا المسار بكامل تفاصيله، فإن القضية تطرح أسئلة مشروعة بشأن كيفية تنقل مجموعة تضم عشرات الأشخاص بين دول المنطقة، وكيفية عبور الحدود، وما إذا كان أفرادها قد تحركوا بصورة مستقلة أم ضمن شبكة منظمة.

لكن لا يجوز القفز من هذه الأسئلة إلى استنتاج أن تونس أصبحت بلدًا مفتوحًا أمام شبكات التخريب أو التجسس. فوجود مسار عبور مزعوم عبر الأراضي التونسية لا يثبت، في حد ذاته، أن المجموعة تلقت دعمًا داخل تونس، أو أن جهات تونسية كانت على علم بتحركاتها، أو أن أجهزة الرقابة التونسية قصّرت في أداء مهامها.


وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع المسألة باعتبارها تفصيلًا جغرافيًا ثانويًا. فإذا ثبت أن المجموعة استغلت مسارات غير نظامية عبر الحدود، فمن المشروع التساؤل عن طبيعة الشبكات التي سهّلت تنقلها، وعن احتمال وجود وسطاء أو ميسّرين، وعن قدرة التعاون الأمني الإقليمي على رصد تحركات من هذا النوع.

حتى الآن، لم أعثر على بيان تونسي رسمي يؤكد تفاصيل الرواية الجزائرية أو ينفيها. ويظل الحصول على توضيح من الجهات التونسية المختصة خطوة أساسية لفهم ما حدث، بدل بناء استنتاجات حول دور تونس انطلاقًا من رواية طرف واحد.


//هل للقضية علاقة بالصحراء الغربية وجبهة البوليساريو؟//


يصعب تناول العلاقات الجزائرية المغربية من دون التوقف عند ملف الصحراء الغربية، الذي يمثل أحد أبرز مصادر الخلاف بين البلدين.

فالمغرب يعتبر الإقليم جزءًا من أراضيه، بينما تدعم الجزائر حق الصحراويين في تقرير المصير وتساند جبهة البوليساريو، المطالبة باستقلال الإقليم. وقد ساهم هذا الخلاف، إلى جانب ملفات أخرى، في استمرار التوتر الدبلوماسي والأمني بين البلدين.

ضمن هذا السياق، قد يثير توقيف مجموعة مغربية في الجزائر تساؤلات عن احتمال ارتباط القضية بالتنافس الإقليمي، أو عن إمكانية استغلالها في سياق الرسائل السياسية المتبادلة بين الطرفين.

غير أن السياق السياسي لا يشكل دليلًا على وجود علاقة عملياتية. فلم تتضمن المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها ما يربط الموقوفين بجبهة البوليساريو، أو بعمليات تتعلق بالصحراء الغربية، أو بنشاط استخباراتي مرتبط بهذا الملف.

وعليه، فإن الربط بين القضية والصحراء الغربية يظل فرضية تحتاج إلى أدلة، لا نتيجة يمكن استخلاصها من جنسية الموقوفين أو من طبيعة العلاقات بين الجزائر والمغرب وحدها.


//هل كان الموقوفون يعملون لصالح جهاز استخباراتي؟//


وجود عسكري سابق ضمن المجموعة، إذا تأكدت تفاصيل هويته ووضعه، لا يكفي لإثبات أن المجموعة تعمل لصالح جهاز استخباراتي أو مؤسسة عسكرية أو جهة حكومية.

إثبات ذلك يستوجب معلومات من نوع آخر: طبيعة الاتصالات بين المشتبه بهم، ومصادر التمويل، والجهة التي نظمت تنقلهم، والأوامر أو التعليمات التي تلقوها، والأدلة الرقمية أو المادية التي قد تكشف طبيعة نشاطهم.

كما أن الحديث عن احتمال وجود جهة راعية لا يحدد هويتها تلقائيًا. فقد تكون هناك فرضيات متعددة، لكن لا يجوز ترجيح أي منها من دون قرائن قابلة للتحقق. ولم يحدد البيان الجزائري المنشور، وفق المعلومات المتاحة، جهة آمرَة أو ممولًا للمجموعة.

ويقتضي الإنصاف أيضًا عدم الخلط بين جنسية الموقوفين ومسؤولية الدولة التي يحملون جنسيتها. فالمسؤولية الفردية عن الأفعال المنسوبة إلى أشخاص تختلف قانونيًا عن إثبات تورط مؤسسة أو جهاز رسمي.


//ما الذي ينبغي أن تكشفه المتابعة؟//


تتوقف قيمة هذه القضية الصحفية على ما ستكشفه التحقيقات، لا على حجم الاتهامات وحده. وهناك أسئلة أساسية تستحق الإجابة:

ما التهم القضائية الدقيقة الموجهة إلى الموقوفين، وما الأدلة المعلنة بشأنها؟

هل جرى توثيق المسار الذي سلكوه من تونس إلى الجزائر، وهل توجد أدلة على تسهيل عبورهم؟

هل تحرك الأشخاص ضمن مجموعة واحدة منذ البداية، أم جُمعت ملفاتهم ضمن تحقيق واحد؟

هل كشفت التحقيقات عن ممولين أو منظمين أو اتصالات بجهات خارجية؟

هل ستصدر السلطات التونسية توضيحًا بشأن المسار المزعوم، وهل توجد معطيات مستقلة تؤيده؟

هل ستظهر لاحقًا أدلة على صلة بالقضية بالصحراء الغربية أو بأي نشاط استخباراتي، أم ستظل هذه الروابط مجرد تكهنات؟

إن توقيف 61 شخصًا في قضية واحدة يستدعي متابعة دقيقة، لكنه لا يسمح وحده بتحديد حجم الشبكة أو طبيعة الجهة التي تقف وراءها، ولا بتعميم الاتهام على دولة أو مجتمع بأكمله.

في نهاية المطاف، السؤال ليس فقط كيف وصل هؤلاء الأشخاص إلى الجزائر، بل ما الذي تثبته الأدلة عن سبب وصولهم، والهدف الذي كانوا يسعون إليه، والجهة التي ربما نظمت تحركاتهم. وبين الرواية الأمنية والنتيجة القضائية، تبقى مهمة الصحافة أن تلاحق الأدلة، وتختبر الروايات، وتُبقي الأسئلة مفتوحة إلى أن تتضح الإجابات.

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page