top of page

"كليات القمة".. فكر مجتمعي أسود


إما أن تكون طبيبا أو مهندسا، وإلا سيكون مصيرك هو الهلاك، وياليتك لو أصبحت الإثنين معا، فلن تكون مثل هؤلاء. وإياك أن تفكر في "كليات القاع"، حقل الفشلة والبلداء. يا للهول! وامصيبتاه! لقد حصلت على نسبة 90%. ماذا ستفعل؟ وأين ستذهب؟ من المؤكد إلى الهاوية، وهاهي شهادة وفاتك. ومن هنا تبدأ الحكاية...

أصبح مجتمعنا مقسم إلى فريقين، فريق أصحاب كليات القمة، وفريق أصحاب كليات القاع، وباتت القيمة الاجتماعية للبشر تقترن بالكلية التي يدرس بها، فإذا سبق اسمه لقب "الدال" أو "الميم"، ينظر إليه نظرة فخر واعتزاز، وإذا كان منزوع اللقب، توالت عليه نظرات دونية بغيضة، وثرثرات تكاد تميته وتشيع آماله وطموحاته إلى مثواها الأخير. ومن هنا تنتهي الحكاية.

لا أدري كيف وصلنا إلى هذا الحال، ولكن من المؤكد أن الكثيرين يحتاجون إلى تطهير عقولهم القديمة!. بداية من إقامة الأسرة عزاء لإبنهم عندما يٌقبل في إحدى الكليات التي لم تكن في رغبتهم، وعندما يبدأ دوامه الدراسي، يقولون له: لا تذاكر، ولا تجتهد، فكليتك من القاع، سهلة وبسيطة، ولا تحتاج إلى المذاكرة، فستنجح بكل سهولة، ثم يستمرون في إذلاله ويقولون: لن تجد عمل تلتحق به بعد التخرج، فمجال دراستك ليس له قيمة، "مش كنت تجتهد شوية وتطلع دكتور ولا مهندس، وترفع راسنا". وعندما يريد هذا الإنسان أن يتزوج بإحدى فتيات كليات القمة، يقولون له: "إيش جاب لجاب"، هي طبيبة وأنت ....... ولا شيء.

فإذا أردتم أن تطلقوا مصطلح "كليات القمة"، فالأولى بالذكر هنا هي كليات الآداب والتربية، فهم من علموا الطبيب والمهندس والصيدلي حتى رئيس الجمهورية. وكلية الحقوق، التي يتخرج منها القضاة ووكلاء النيابة والمحامين، بنيان الأمة.

ولأن لكل قاعدة شواذها، فليس كل من تخرجوا من "كليات القمة"، أصبحوا في القمة. فقد يكون طبيبا فاشل ومهمل، وقد يكون مهندسا منزوع الضمير، وفي نفس الوقت نجد دارس القانون الذي يتلذذ في انتهاكه، والعامل بتنفيذه والمعتاد ضربة عرض الحائط، و المعلم الذي قد يخرج أجيالا فاشلة مثله. وفي المقابل نجد الكثير من الذين أنهوا دراستهم في كليات القاع، أصبحوا ناجحين ووصلوا إلى مستويات علمية وعملية، لم يستطع أن يحققها غيرهم. وهناك أطباء ومهندسين استطاعوا أن يحققوا النجاح الباهر في مجالهم، فالمجتمع ليس له قيمة بدونهم، ولكن هذه القيمة لن تكتمل إلا إذا قوّمنا أنفسنا من اعتبارات "القمة والقاع".

وبدأت الدولة المصرية الجديدة محو هذه المفاهيم المختلة بوضع نظام تعليمي جديد يعتمد على الفهم وليس على الحفظ، ويساوي بين جميع الكليات، في محاولة أن يجعل الطالب يلتحق بالتخصص الذي يتلائم مع ميوله وإمكانياته، حيث أكدت على أهمية أن يفكر الأهالي في الوظائف التي لها مستقبل والتي يتم دراستها، ويتيقنون من أن كليات القمة الحالية لن تكون في القمة بعد فترة من الزمن، حيث تختلف طبقًا لسوق العمل وليس باسم الكلية، ويجب أن يراعي الأهالي كل ذلك من خلال توضيح الأفكار لأبنائهم وتمهيد الطرق لهم لفهم مستقبلهم، والعمل على ما يدرسونه في مراحلهم الدراسية، وليست كليات القمة الحالية هي التي ستكون موجودة في نفس المكانة التي تتواجد بها.

ولهذا لابد أن نغير نظرتنا السوداء إلى هذه الكليات، فجميع الكليات متساوية، والاختلاف يكون في البشر أنفسهم، من حيث تربيتهم وأخلاقهم وتفوقهم العلمي والعملي من أجل النهوض بوطنهم. فلا تعدوا أبناءكم لكى يكونوا أطباء ومهندسين فقط، وإنما علموهم بأن يكونوا ناجحين ومميزين كيفما كانوا. فكونوا حذرين.. القمة لا تحتمل الجهلاء..

Comentarios


bottom of page