الأسرة العربية كما يراها الدكتور ادريس خدري.. من أزمة التدبير الى تدبير الازمة

حوار: د . محمد سعد
الدكتور إدريس خدري في حوار لـ«الأسرة العربية» الأسرة العربية تحتاج إلى ثقافة مالية والوعي بالتدبير يحمي العلاقات الزوجية من الخلافات
في زمن تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية وتتراجع فيه القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الأسر، تبرز أهمية الثقافة المالية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار الحياة الأسرية وتحقيق التوازن بين الدخل والمصروفات.
فإدارة ميزانية الأسرة لم تعد مجرد عملية حسابية تتعلق بالنفقات والالتزامات اليومية، بل أصبحت ثقافة متكاملة ترتبط بالسلوك الإنساني والوعي الاقتصادي والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة.

وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتور إدريس خدري، الأكاديمي والباحث المغربي المتخصص في المالية والحكامة والتدبير، وصاحب تجربة علمية ومهنية امتدت لأكثر من أربعة عقود في مجال التدريس والتكوين والاستشارة، عبر مؤسسات أكاديمية ومهنية في إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وبين مسيرته الجامعية ومؤلفاته المتعددة واهتمامه بقضايا التنمية البشرية، يولي الدكتور إدريس خدري أهمية خاصة لمالية الأسرة العربية، ساعيًا إلى نقل مفاهيم التدبير المالي من المؤسسات والدول إلى الحياة اليومية للمواطن، ومساعدة الأسر على فهم مواردها والتعامل مع التزاماتها بصورة أكثر وعيًا.
وفي هذا الحوار، نسلط الضوء على أبرز محطات تجربته العلمية والفكرية، ورؤيته لمستقبل الثقافة المالية في العالم العربي، وأهمية التفاهم الاقتصادي بين الزوجين، إلى جانب مؤلفاته التي تناولت الحكامة والتنمية البشرية والمالية العامة.
*بداية، كيف تقدمون تجربتكم العلمية والمهنية التي امتدت لأكثر من أربعين عامًا؟
تقوم تجربتي على الجمع بين التدريس الجامعي والبحث العلمي والتكوين والاستشارة في مجالات المالية والحكامة والتدبير. فقد أمضيت أكثر من أربعين عامًا في التدريس بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، كما امتدت تجربتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وعدد من الدول الإفريقية.
وقد أتاحت لي هذه المسيرة الاطلاع على تجارب متنوعة في الإدارة والتدبير، والتعامل مع احتياجات المؤسسات والأفراد، فضلًا عن المشاركة في برامج التكوين التي استهدفت تطوير قدرات الأطر والموارد البشرية.
وخلال عشرين عامًا من العمل في إفريقيا، ساهمت في إنجاز أكثر من 1500 عملية تكوين واستشارة، وهي تجربة عززت لدي قناعة بأن بناء الإنسان وتأهيله يمثلان أساس أي تنمية مستدامة.

*كيف أسهمت تجربتكم في الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيل رؤيتكم للمالية والحكامة؟
كانت التجربة الأمريكية محطة مهمة في مساري، خصوصًا من خلال ما أتاحته لي من فرص للاطلاع على أساليب التدبير وتقنيات الحكامة ومناهج تطوير الأداء المؤسسي.
كما استفدت من تجارب تعليمية وتكوينية في مجال التواصل وعلم النفس، وهو ما ساعدني على توسيع نظرتي إلى الإدارة، باعتبارها علمًا يتجاوز الأرقام والإجراءات إلى فهم الإنسان وسلوكه وطريقة اتخاذه للقرارات.
وقد أدركت من خلال هذه التجارب أن نجاح أي منظومة إدارية أو مالية لا يعتمد فقط على الموارد المتاحة، وإنما يرتبط كذلك بكفاءة الأشخاص وقدرتهم على التخطيط والتنظيم والتواصل.
*انتقلتم من دراسة المالية العامة وحكامة المؤسسات إلى الاهتمام بميزانية الأسرة العربية. كيف جاء هذا التحول؟
في الحقيقة، لا أرى أن هناك قطيعة بين المجالين، لأن المبادئ الأساسية للتدبير المالي تظل قائمة، سواء تعلق الأمر بمؤسسة كبرى أو بدولة أو بأسرة.
فالأسرة، مثلها مثل أي مؤسسة، لديها موارد محدودة والتزامات متعددة وأهداف ينبغي تحقيقها. وتحتاج إلى التخطيط وترتيب الأولويات ومراقبة المصروفات وتقييم القرارات المالية.
ومن هنا جاءت أهمية الاهتمام بميزانية الأسرة العربية، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها العديد من الأسر، وما يترتب عليها من ضغوط نفسية وخلافات قد تؤثر في استقرار الحياة الزوجية.
*ما أبرز المشكلات التي تواجه الأسرة العربية في إدارة ميزانيتها؟
هناك مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها البطالة وضعف الدخل وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب نقص الثقافة المالية لدى بعض الأسر، وعدم القدرة على التمييز بين الاحتياجات الأساسية والرغبات الاستهلاكية.
وقد تقع بعض الأسر في مشكلات مالية ليس فقط بسبب محدودية الدخل، وإنما أيضًا نتيجة غياب التخطيط، أو عدم متابعة المصروفات، أو اللجوء إلى الإنفاق غير المدروس.
ومع ذلك، من الضروري التأكيد أن حسن التدبير لا يعالج وحده مشكلات الفقر أو البطالة أو ضعف الأجور، فهذه تحديات تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة. لكن امتلاك الأسرة أدوات التخطيط المالي يساعدها على استخدام مواردها بصورة أفضل، وتجنب بعض الأخطاء التي تزيد من حدة الضغوط اليومية.
*تتحدثون عن مفهوم «الطلاق المالي». ماذا تقصدون بهذا المصطلح؟
أستخدم هذا المفهوم للتعبير عن الخلافات المالية التي قد تصل بالزوجين إلى حالة من الانفصال النفسي والعملي في إدارة شؤون حياتهما، حتى قبل الوصول إلى قرار الانفصال الزوجي.
فالمال من الموضوعات الحساسة داخل الأسرة، وقد يتحول إلى مصدر دائم للتوتر عندما يغيب الحوار أو تختلف توقعات الزوجين بشأن الإنفاق والادخار وتقاسم المسؤوليات.
وقد ينشأ الخلاف بسبب البخل أو التبذير أو إخفاء الالتزامات المالية أو غياب الاتفاق على الأولويات. ولذلك أرى أن التعامل الواعي مع المال يمثل عنصرًا مهمًا في بناء علاقة زوجية مستقرة.
ولا يعني ذلك أن المال هو العامل الوحيد في نجاح الزواج أو فشله، لكنه أحد الملفات التي تحتاج إلى الوضوح والتفاهم والاتفاق المشترك.
*ما النصيحة التي توجهونها للشباب خلال فترة الخطوبة لتجنب الخلافات المالية بعد الزواج؟
أرى أن فترة الخطوبة فرصة مهمة للتعارف الحقيقي وفهم طريقة تفكير كل طرف، ولا ينبغي أن تقتصر على المشاعر والتجهيزات المرتبطة بالزفاف.
من المهم أن يناقش الطرفان، بصورة متوازنة ومحترمة، توقعاتهما بشأن إدارة المنزل، وطبيعة المسؤوليات المالية، وأسلوب الإنفاق والادخار، والأهداف المستقبلية للأسرة.
كما ينبغي أن يتفقا على أسلوب واضح للتعامل مع الطوارئ والالتزامات المتوقعة، مع احترام الظروف الاقتصادية لكل طرف.
والأهم هو تجنب تحويل المال إلى وسيلة للسيطرة أو الضغط، لأن العلاقة الزوجية تقوم على الشراكة والثقة والتعاون، وليس على الحسابات المادية وحدها.
*تستعدون لإصدار كتاب باللغة العربية حول مالية الأسرة العربية. ما الذي يميز هذا العمل؟
يمثل هذا الكتاب امتدادًا لاهتمامي بقضايا المالية والتدبير، لكنه يتوجه إلى جمهور مختلف، هو الأسرة العربية والشباب المقبلون على الزواج وكل من يسعى إلى فهم أفضل لعلاقته بالمال.
ويقوم العمل على تقديم أفكار عملية تساعد القارئ على مراجعة مصروفاته، وفهم عاداته الاستهلاكية، وتنظيم ميزانيته، والتعامل مع الالتزامات المالية بطريقة أكثر وعيًا.
كما يستفيد من مبادئ علم النفس المالي، الذي يهتم بفهم السلوك الإنساني في التعامل مع المال، وكيف تؤثر العادات والتصورات والمشاعر في القرارات المتعلقة بالإنفاق والادخار.
وقد استفدت كذلك من تفاعلي مع الجمهور عبر البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وما طرحه المستمعون والمشاهدون من أسئلة ومشكلات واقعية تتعلق بتدبير شؤون الأسرة.
والهدف هو أن يكون الكتاب دليلًا عمليًا قريبًا من حياة الناس، وليس مجرد عرض نظري للمفاهيم المالية.
*هل يمكن القول إن الثقافة المالية أصبحت ضرورة وليست رفاهية؟
بالتأكيد، لأن الإنسان يتخذ قرارات مالية بصورة يومية، سواء عند شراء احتياجات المنزل أو تنظيم مصروفات الأبناء أو التعامل مع القروض أو التخطيط للمستقبل.
وعندما تغيب المعرفة الأساسية، قد تتحول القرارات الصغيرة إلى مشكلات متراكمة، خصوصًا إذا لم تكن هناك رؤية واضحة للدخل والالتزامات.
لذلك أرى أن الثقافة المالية ينبغي أن تحظى بمكانة أكبر في المؤسسات التعليمية وبرامج التوعية المجتمعية، وأن يتعلم الشباب مبكرًا كيفية إعداد الميزانية وترتيب الأولويات والتفكير في العواقب المالية للقرارات.
إن الهدف ليس جعل الجميع خبراء في الاقتصاد، بل تمكينهم من اتخاذ قرارات يومية أكثر وعيًا ومسؤولية.
*بدأتم التأليف عام 1992 بكتاب «مراقبة أموال الدولة بالمغرب». كيف تطورت تجربتكم في الكتابة منذ ذلك الحين؟
كان كتاب «مراقبة أموال الدولة بالمغرب» بداية مساري في التأليف، ثم توالت الأعمال التي تناولت موضوعات المالية والتدبير والتدقيق والافتحاص والحكامة والتنمية المستدامة وتعليم الكبار.
وقد بلغ رصيدي نحو سبعة وعشرين مؤلفًا، وفق ما أذكره عن مسيرتي في هذا المجال، وكتبت أعمالًا بثلاث لغات، انطلاقًا من قناعتي بأن المعرفة ينبغي أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وأن تتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية.
وأعتبر التأليف رسالة ومسؤولية، لأن الكتاب لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يسهم في بناء الوعي وتطوير التفكير وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال.
*تذكرون أنكم أصدرتم عام 2000 كتابًا حول الحكامة، وتصفونه بأنه الأول من نوعه في العالم العربي. ما أهمية هذه التجربة؟
كانت الحكامة من الموضوعات التي أوليتها اهتمامًا مبكرًا، انطلاقًا من أهميتها في تطوير المؤسسات وتحسين الأداء وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وقد سعيت من خلال الكتابة في هذا المجال إلى التعريف بالمفاهيم المرتبطة بالحكامة وإبراز دورها في تحسين إدارة الموارد واتخاذ القرارات.
وأعتقد أن أهمية أي عمل فكري لا تتوقف عند تاريخ صدوره، بل ترتبط بقدرته على إثارة النقاش والمساهمة في تطوير الممارسة المهنية والمؤسسية.
*من أقرب مؤلفاتكم إلى قلبكم «معجم التنمية البشرية» الصادر عام 2010. ما قصة هذا العمل؟
يحظى هذا الكتاب بمكانة خاصة لدي، لأنه يمثل محاولة لتقديم مرجع علمي يجمع المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالتنمية البشرية في صورة واضحة ومنظمة.
ويضم المعجم نحو 300 مفهوم بثلاث لغات، تتصل بمؤشرات التنمية البشرية والمفاهيم التي تعتمدها المؤسسات الدولية في دراسة التنمية وتقييمها.
وقد شكل هذا العمل محطة مهمة في مسيرتي، ووفق ما ورد في تجربتي بشأنه، حظي بتنويه من مؤسسات منها اليونسكو والإيسيسكو والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، كما تفضل الملك محمد السادس بقبول نسخته الأولى.
وأعتز بهذه التجربة لأنها تعكس أهمية العمل المعجمي في تقريب المعرفة وتوحيد المصطلحات وتيسير تداولها بين الباحثين والمتخصصين.
*وماذا عن كتابكم «افتحاص وحكامة المديونية الإفريقية» الذي استغرق إعداده عشر سنوات؟
هذا العمل يعكس اهتمامي بقضايا التنمية والمالية العامة في القارة الإفريقية، وما يرتبط بها من تحديات التمويل وإدارة المديونية والشفافية والحكامة.
وقد استغرق إعداده عشر سنوات، لأن الموضوع يحتاج إلى بحث وتدقيق ومقارنة بين المعطيات والتجارب، فضلًا عن فهم السياقات الاقتصادية والمؤسسية التي تؤثر في إدارة الديون.
وأرى أن معالجة قضايا المديونية لا ينبغي أن تقتصر على حجم الديون أو تكلفتها، بل يجب أن تشمل كذلك كيفية استخدام الموارد، ومدى مساهمتها في التنمية، وكفاءة المؤسسات المسؤولة عن إدارتها.
تتولون، بحسب المعلومات الواردة في سيرتكم، مهمة المنسق العام بالهيئة الدولية للدبلوماسية الموازية ببلجيكا. كيف تنظرون إلى دور الدبلوماسية الموازية؟
تمثل الدبلوماسية الموازية مجالًا مهمًا لتقريب وجهات النظر وتعزيز التواصل بين الشعوب والمؤسسات والفاعلين في المجالات الثقافية والعلمية والاقتصادية.
فالعلاقات الدولية لا تقتصر على القنوات الرسمية، وإنما تستفيد أيضًا من المبادرات التي يقوم بها الأكاديميون والخبراء والباحثون وممثلو المجتمع المدني.
ومن شأن هذا التواصل أن يفتح مساحات جديدة للتعاون وتبادل المعرفة والخبرات، وأن يسهم في بناء جسور الثقة بين المجتمعات.
وأعتقد أن توظيف الخبرة الأكاديمية والمهنية في هذا المجال يمكن أن يدعم الحوار والتعاون، خصوصًا عندما يرتبط بمبادرات عملية تخدم التنمية وتبادل التجارب.
*بعيدًا عن قاعات التدريس والكتب، ما أكثر ما بقي في ذاكرتكم من زياراتكم للولايات المتحدة الأمريكية؟
تركت تلك التجربة أثرًا إنسانيًا وثقافيًا كبيرًا في نفسي، إلى جانب قيمتها العلمية والمهنية.
ومن المحطات التي أستحضرها زيارتي لوكالة الفضاء الأمريكية، وما أتاحته لي من فرصة للاطلاع عن قرب على جانب من تاريخ استكشاف الفضاء، ولمس ما وصفته بأنه أثر مرتبط بمركبة أبولو 11.
كما تركت في نفسي زيارة بيت جورج واشنطن والنصب التذكاري لأبراهام لنكولن انطباعًا عميقًا، لما تمثله هذه المواقع من دلالات تاريخية وإنسانية.
فالسفر بالنسبة إلي ليس مجرد انتقال بين البلدان، بل فرصة لاكتساب المعرفة وفهم تجارب الشعوب والتأمل في مسارات تطورها.
*في ختام الحوار، ما الرسالة التي توجهونها إلى الأسرة العربية والشباب؟
رسالتي هي أن الوعي المالي جزء من الوعي بالحياة، وأن حسن التدبير يبدأ بفهم الإمكانات المتاحة، وتحديد الأولويات، والتمييز بين الضروري والكمالي.
كما أدعو الأسر إلى جعل الحوار أساسًا في إدارة شؤونها، خصوصًا في المسائل المالية، لأن الوضوح والتفاهم يساعدان على مواجهة الضغوط وتجنب كثير من الخلافات.
أما الشباب، فأدعوهم إلى الاهتمام بالقراءة والتعلم واكتساب المهارات التي تساعدهم على بناء مستقبلهم، وألا ينظروا إلى المال باعتباره غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الاستقرار والكرامة الإنسانية وتوفير حياة أفضل لأنفسهم وأسرهم.
وأؤمن بأن الكتابة والمعرفة والتكوين تظل أدوات أساسية لبناء الإنسان، وأن الاستثمار في الوعي هو أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها المجتمعات.


تعليقات