التماسك الاجتماعي يبدأ من الأسرة … والأسرة تبدأ من الوعي
- قبل 42 دقيقة
- 2 دقيقة قراءة

كتبت د امال ابراهيم
رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية
في الوقت الذي تتزايد فيه معدلات القلق الأسري والتفكك والصراعات داخل البيوت، أصبح من الضروري أن نتوقف أمام حقيقة مهمة: أن التماسك الاجتماعي لا يبدأ من المؤسسات الكبرى فقط، بل يبدأ أولًا من الأسرة، والأسرة نفسها تبدأ من الاختيار الواعي والتأهيل الحقيقي قبل الزواج.
فالعلاقة الزوجية ليست مجرد ارتباط عاطفي أو مناسبة اجتماعية، لكنها مشروع إنساني طويل يؤثر على الاستقرار النفسي للأفراد، وعلى شكل المجتمع كله. ولهذا فإن أي خلل في بناء الأسرة ينعكس مباشرة على الأطفال، وعلى العلاقات الإنسانية، وعلى الإحساس بالأمان والانتماء داخل المجتمع.
المشكلة الحقيقية اليوم ليست في فكرة الزواج نفسها، وإنما في دخول كثير من الشباب إلى الحياة الأسرية دون امتلاك الحد الأدنى من الوعي النفسي والاجتماعي. فالكثير يعرفون كيف يستعدون لحفل الزفاف، لكنهم لا يعرفون كيف يديرون خلافًا، أو يحتوي كل طرف الآخر، أو يعبرون عن احتياجاتهم بشكل صحي، أو يتعاملون مع الضغوط والمسؤوليات اليومية.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ«رخصة القيادة الأسرية»، وهي ليست رخصة بالمعنى التقليدي، بل مفهوم يقوم على تأهيل الشباب والفتيات قبل الزواج نفسيًا واجتماعيًا وتربويًا، حتى يصبحوا أكثر قدرة على بناء أسرة مستقرة ومتوازنة.
فنحن لا نقبل أن يقود إنسان سيارة دون تدريب وتأهيل، بينما نقبل أن يدخل شاب وفتاة إلى مؤسسة شديدة التعقيد والتأثير مثل الأسرة دون أي إعداد حقيقي، رغم أن نتائج الفشل الأسري قد تمتد لسنوات طويلة وتؤثر على أجيال كاملة.
التأهيل قبل الزواج يجب أن يشمل مهارات أساسية، مثل: التواصل الصحي بين الزوجين وإدارة الخلافات دون عنف أو إهانة وفهم الاحتياجات النفسية والعاطفية وتحمل المسؤولية والتربية الإيجابية للأبناء وإدارة الضغوط الاقتصادية والنفسية
فالأسرة لا تحتاج فقط إلى الحب، بل تحتاج إلى النضج والوعي والقدرة على الحوار. وحين يتأهل الشباب بشكل جيد قبل الزواج، تقل معدلات الطلاق، وينخفض العنف الأسري، ويشعر الأطفال بأمان نفسي أكبر، ويصبح المجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.
فالطفل الذي ينشأ داخل بيت آمن ومتوازن، يتعلم الاحترام والانتماء والتعاون، بينما الطفل الذي يعيش وسط الصراعات المستمرة قد يحمل داخله الخوف أو العدوان أو فقدان الثقة بالآخرين. ولهذا فإن حماية الأسرة ليست قضية خاصة بين زوجين فقط، بل قضية أمن اجتماعي وبناء إنسان.
إننا بحاجة اليوم إلى نشر ثقافة الوعي قبل الزواج، وأن تتحول برامج التأهيل الأسري إلى جزء أساسي من بناء المجتمع، لأن الأسرة المستقرة لا تصنع حياة أفضل للأفراد فقط، بل تصنع مجتمعًا أكثر رحمة واتزانًا وقدرة على مواجهة التحديات. فالتمـاسك الاجتماعي الحقيقي… يبدأ من بيت يعرف معنى الاحتواء، والحوار، والمسؤولية


تعليقات