الطب التونسي يدخل عصر الذكاء الاصطناعي: هل تنقذ الرقمنة الصحة أم تصنع فجوة جديدة؟

بقلم نورة حفيّظ - تونس
في قاعة تجمع مسؤولين صحيين وخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومختصين في التطبيب عن بعد من تونس وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الصحة التونسية ستدخل العصر الرقمي، بل متى وكيف، ولمن ستكون ثماره.
منذ أول أمس، تحتضن تونس الدورة الأولى من «Telehealth Connect Summit 2026»، القمة الدولية الأولى حول الصحة الرقمية، التي تتواصل إلى غاية غرة أكتوبر، تحت إشراف وزارة الصحة، بمشاركة مسؤولين وخبراء دوليين وممثلين عن منظمات دولية، من بينها منظمة الصحة العالمية.
لكن خلف العبارات التقنية التي تتردد في أروقة القمة الذكاء الاصطناعي، التطبيب عن بعد، البيانات الصحية، الأمن السيبراني، التشغيل البيني والحوكمة الرقمية ، توجد مسألة تونسية شديدة الواقعية: هل تستطيع التكنولوجيا أن تعالج جزءًا من اختلالات منظومة صحية ما زالت تعاني تفاوتًا في توزيع الخدمات والكفاءات بين العاصمة والساحل والجهات الداخلية؟
من الطبيب الموجود إلى الطبيب المتاح
أحد أبرز رهانات الصحة الرقمية هو أن يصبح موقع المريض أقل تأثيرًا في فرص حصوله على الخبرة الطبية.
فالطبيب الاختصاصي قد يكون في تونس العاصمة، بينما يوجد المريض في تطاوين أو قفصة أو القصرين. والطبيب في مستشفى جهوي قد يحتاج إلى رأي اختصاصي في مؤسسة جامعية بعيدة مئات الكيلومترات.
هنا لا تصبح التكنولوجيا مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات، بل أداة لإعادة تعريف مفهوم الوصول إلى العلاج.
وقد خصص برنامج القمة جانبًا مهمًا لـالمستشفيات الافتراضية والتطبيب عن بعد والتصوير الطبي عن بعد، بما في ذلك عرض تجارب من تونس ومصر والولايات المتحدة. ومن بين المتحدثين في جلسة حول المستشفيات الافتراضية طبيبة أشعة من مستشفى الرابطة وقيادات من تجربة المستشفى الافتراضي في مصر.
المعادلة تبدو بسيطة: إذا كان الاختصاصي بعيدًا، فلتنتقل الخبرة بدل أن ينتقل المريض.
لكن تطبيقها ليس بهذه البساطة.
الرقمنة لا تعالج وحدها نقص الأطباء
يمكن للصحة الرقمية أن تختصر المسافة، لكنها لا تستطيع أن تخلق طبيبًا من العدم.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في التحول الرقمي: يمكن لمنظومة متطورة للتطبيب عن بعد أن تصل مستشفى جهويًا بأفضل اختصاصي في العاصمة، لكنها ستظل عاجزة إذا كان المستشفى يفتقر إلى المعدات أو الاتصال المستقر أو الطواقم القادرة على تشغيل التكنولوجيا.
لذلك فإن التحول الرقمي ليس بديلًا عن الاستثمار في البنية الصحية، وإنما طبقة جديدة فوقها.
ومن هذه الزاوية، فإن نجاح التجربة التونسية لن يقاس بعدد المنصات والتطبيقات التي يتم إطلاقها، بل بقدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى خدمة صحية قابلة للاستخدام في الجهات الأقل استفادة.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة التشخيص
في القمة، يحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا، ليس باعتباره تقنية مستقبلية فحسب، وإنما كأداة بدأت تدخل بالفعل في تحليل الصور الطبية، دعم القرار السريري، إدارة البيانات وتحسين مسارات الرعاية.
برنامج القمة يخصص جلسات للـResponsible Health AI، أي الذكاء الاصطناعي المسؤول في الصحة، إلى جانب مسائل تنظيم استخدامه وتمويله وإدماجه في سير العمل الطبي.
وهنا يظهر سؤال أكثر حساسية من السؤال التقني: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية؟
إذا اقترح نظام للذكاء الاصطناعي تشخيصًا خاطئًا، فهل تقع المسؤولية على الطبيب، أم المؤسسة الصحية، أم مطور النظام؟
ثم هناك سؤال آخر: هل يمكن تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية على بيانات سكانية أجنبية ثم افتراض أنها ستقدم النتائج نفسها للمرضى التونسيين؟
هذه الأسئلة تجعل الذكاء الاصطناعي في الصحة قضية طبية وقانونية وأخلاقية وسيادية في الوقت نفسه.
البيانات: النفط الجديد للصحة؟
كلما ازدادت رقمنة القطاع الصحي، ازدادت قيمة البيانات.
الملف الطبي الإلكتروني، صور الأشعة، التحاليل، الوصفات، التاريخ المرضي، البيانات الجينية وحتى المعلومات المتعلقة بنمط الحياة، كلها يمكن أن تتحول إلى مادة لتطوير أدوات تشخيصية وتنبؤية أكثر دقة.
لكن البيانات الصحية ليست بيانات عادية.
إنها جزء من خصوصية الإنسان، وأي تسرب لها قد يكشف تفاصيل شديدة الحساسية عن حياة المريض.
لذلك يحضر الأمن السيبراني وحوكمة البيانات بقوة في برنامج القمة، إلى جانب تنظيم التطبيب عن بعد وقابلية التشغيل البيني بين الأنظمة الصحية.
وتطرح تونس، وهي تدخل هذا المجال، سؤال السيادة الرقمية أيضًا: أين تُخزن البيانات الصحية؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ ومن يضع المعايير التي تتحكم في تداولها؟
في المستقبل الصحي الرقمي، حماية المريض لن تعني فقط حماية جسده، وإنما حماية بياناته أيضًا.
من الصحة الرقمية إلى الدبلوماسية الصحية
اختيار تونس لاستضافة هذا الحدث ليس بلا دلالة.
فالموقع الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط يجعلها مساحة مناسبة للحوار حول نماذج الصحة الرقمية العابرة للحدود. والمنظمون يقدّمون القمة باعتبارها منصة تربط هذه المناطق وتدفع نحو شراكات عملية في التطبيب عن بعد والابتكار الصحي.
وهذا يفتح أمام تونس مجالًا يتجاوز تحديث مستشفياتها: الدبلوماسية الصحية الرقمية.
فإذا تمكنت من تطوير خبرات محلية في التطبيب عن بعد، والتصوير الطبي الرقمي، والذكاء الاصطناعي الصحي والتكوين، فقد تصبح التكنولوجيا الصحية مجالًا جديدًا للتعاون مع الدول الإفريقية والعربية، بل وربما قطاعًا لتصدير الخدمات والمعرفة.
لكن ماذا عن المواطن؟
ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يبقى خارج قاعات القمة هو: هل يشعر المواطن فعلًا بأن صحته أصبحت رقمية؟
هل يستطيع المريض في الداخل الحصول على استشارة اختصاصية دون السفر؟
هل يستطيع الطبيب الجهوي الوصول إلى رأي طبي من مركز جامعي بسرعة؟
هل يمكن تبادل ملف المريض بين المؤسسات دون إعادة عشرات الفحوص؟
وهل يستطيع المواطن أن يثق بأن بياناته الطبية لن تتحول إلى سلعة أو تكون عرضة للاختراق؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الرقمنة يمكن أن تتحول إلى إحدى أدوات تقليص الفوارق الصحية.
أما إذا بقيت التكنولوجيا متركزة في المؤسسات الأكثر تجهيزًا، فإنها قد تنتج paradox جديدًا: مستشفى رقمي شديد التطور في المركز، ومنظومة صحية تقليدية تكافح في الأطراف.
غدًا يبدأ الاختبار الحقيقي
تختتم القمة غدًا، لكن الاختبار الحقيقي للصحة الرقمية التونسية لن ينتهي مع اختتام الجلسات.
فالمؤتمرات تستطيع أن تنتج الرؤى والشراكات، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير تجربة المريض.
المقياس الحقيقي سيكون في المستشفى الجهوي، وفي سيارة الإسعاف، وفي غرفة الأشعة، وفي الهاتف الذي يستخدمه المريض، وفي قدرة طبيب في أقصى الجنوب على الوصول إلى اختصاصي في العاصمة.
لقد انتقلت تونس بالفعل من سؤال «هل نحتاج إلى الصحة الرقمية؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: «كيف نجعلها تعمل؟»
والتحدي الأكبر ليس أن تصبح تونس دولة صحية أكثر ذكاءً، بل أن تجعل هذا الذكاء متاحًا وعادلًا وآمنًا.
فإذا نجحت الرقمنة في تقليص المسافة بين المريض والطبيب، فإن التكنولوجيا ستصبح جزءًا من الحل.
أما إذا أضافت فقط طبقة جديدة من الخدمات المتقدمة فوق تفاوتات قديمة، فإنها لن تلغي الفجوة الصحية؛ بل قد تمنحها شكلًا رقميًا جديدًا.


تعليقات