top of page

بريق الحرباء حين يصبح الصدق غربة والتملق جواز مرور

قبل ساعتين
2 دقيقة قراءة

بقلم المستشارة : تهاني التري


أحببت من خلال هذا المقال ان ألخّص واقعا اجتماعياً شديد العمق والعمق الموجع في آنٍ واحد؛ واقعاً بات فيه القناع أقوى من الوجه، والتملق جواز مرور لنفوس الكثيرين، والذي يستدعينا لنتساءل ونقف امام انفسنا لنواجه الحقيقة، لماذا يهرب المجتمع من الحقيقة ويصفق للمزيفين ونواجه فوضى المهرجين؟


في عالم تتسارع فيه الخطى وتتداخل فيه المظاهر، نشهد مفارقة عجيبة ومؤلمة: كلما كان الإنسان مزيفاً، متلوّناً كالحرباء، ومتقناً لدور المهرج، اتسعت دائرة تصفيقه وكثرت علاقاته. وكلما ارتدى قناعاً جديداً، انفتحت له الأبواب وتبارى الناس في تأييده والإعجاب به. فلماذا أصبح الزيف سلعة رابحة، ولماذا بات المجتمع يخشى الوجه الحقيقي الصادق؟


هنا يتبادر إلى ذهننا السؤال الأهم في ظلال الحرباء: لماذا ينتصر الزيف اجتماعياً؟


السر يكمن في أمر بسيط ومؤلم؛ وهو أن الناس أصبحت تخاف من الحقيقة. الحقيقة مرآة كاشفة، والجدية التزام ثقيل لا يقوى عليه إلا أصحاب المبادئ. لأن الإنسان المزيف الذي يبدل ألوانه مع كل موقف لا يطالب أحداً بالتفكير، ولا يواجه أحداً بعيوبه، بل يمنح المجتمع ما يريد سماعه لا ما يجب أن يعلمه. إنه يوزع المجاملات الرخيصة والابتسامات الزائفة التي لا تخدش ظاهراً ولا توقظ ضميراً. لهذا السبب، يُطلق المجتمع على هؤلاء المتلونين لقب “المهرجين”، بينما هم في حقيقة الأمر أكثر الناس إفساداً للأرض، لأنهم يهدمون معايير الأصالة ويشرعنون النفاق كمهارة حياة.


في المقابل، نجد ان الإنسان الحقيقي والصادق يقف وحيداً في العراء. صراحته وجديته تعتبران تهديداً لمن اعتادوا العيش في العتمة والزيف. فهو لا يتقن مساحيق التجميل اللفظية، ولا يعرض مبادئه للبيع في سوق العلاقات العابرة. لذلك، تبتعد عنه الدوائر المزيفة خوفاً من مواجهة الحقيقة التي يحملها في عينيه. إنها غربة اختيارية، لكنها الضريبة التي يدفعها كل من رفض أن يبيع روحه مقابل حشد جماهيري زائف.


كيف يمكننا العبور من بوابة فخ “المهرج الجديد”؟


إن أخطر ما يواجه الإنسان الصادق في بيئة تصفق للمزيفين هو لحظة التردد: هل أتنازل عن مبدئي لأحظى بالقبول؟ هل أنضم إلى قطيع المهرجين لأعيش بلا عزلة؟


هنا بالتحديد تكمن المعركة الحقيقية؛ فالثبات على المبدأ ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو طوق نجاة لئلا يتحول الصادق إلى رقم جديد في قائمة المهرجين، يضحك الناس معه يوماً، ثم ينسونه إلى الأبد. الأصالة قد تبقيك وحيداً لفترة، لكنها تمنحك السلام الداخلي، وتترك أثراً لا يمحى، بينما زيف الحرباء مهما علا صيته، فهو زائل بزوال القناع

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page