top of page

تطوان.. "غرناطة الصغرى" وقلب المتوسط النابض بالتاريخ والجمال

  • قبل يومين
  • 2 دقيقة قراءة

تطوان - بثينة مسقال


في شمال المغرب، حيث يعانق البحر الأبيض المتوسط قمم جبال الريف الشامخة، ترقد مدينة ليست ككل المدن. مدينة إذا دخلتها من أحد أبوابها السبعة، شعرت وكأنك عبرت آلة الزمن لتعود إلى العصر الأندلسي الذهبي. إنها تطوان، أو "الحمامة البيضاء"، و"غرناطة الصغرى" كما يحلو لعشاقها تسميتها، المدينة التي تفتح ذراعيها طوال العام لكل باحث عن الهدوء، والجمال، والتاريخ الحي.


أول ما يثير دهشة الزائر لمدينة تطوان هو ذلك البياض الناصع الذي يكسو جدرانها، فهي تصنف بحق كإحدى أنقى وأجمل مدن المغرب. هذا النقاء الخارجي يعكس نقاء داخليا يعيشه السكان؛ فتطوان واحة من الأمن والأمان، حيث يمتزج فيها الهدوء بالطمأنينة التي يشعر بها السائح والابن على حد سواء.


وما يجعل الحياة في تطوان فريدة، هو ذلك التآلف والتراحم الأخاذ بين أهلها. مجتمع تطواني مترابط، تسوده قيم الاحترام المتبادل، والترحيب بالضيف، وتكافل اجتماعي دافئ يجعل من المدينة بيتا واحدا كبيرا، حيث يعبر التطوانيون في كل تفاصيل يومهم عن عشق جارف لمدينتهم، وغيرتهم على هويتها، وصونهم لإرثها بكل حب وفخر.

لكل مدينة ساحة تلخص حكايتها، وفي تطوان تتجلى هذه الحكاية في ساحة " الخاصة".


هذه الساحة ليست مجرد فضاء جغرافي، بل هي رمز للهوية التطوانية؛ فيها يلتقي أبناء المدينة للاحتفال بأفراحهم، وفيها تصدح أصواتهم في لحظات الاحتجاج والتعبير عن الرأي. إنها الرئة التي تتنفس بها تطوان، والشاهد الأول على تحولات المدينة التاريخية والاجتماعية.


لا يمكن الحديث عن تطوان دون التغلغل في بيوتها العتيقة لملامسة تقاليدها الأصيلة التي تحافظ عليها النساء بكثير من الحب والوقار. ومن أبرز هذه العادات الموسيقية والجمالية طقس "تقطير الزهر" (ماء زهر البرتقال) في فصل الربيع.


في هذا الموسم، تتحول البيوت التطوانية إلى ورشات عبقة، حيث تجتمع النساء حول "القطار" النحاسي التقليدي في أجواء احتفالية يطبعها التآزر والبهجة، لينتجن قطرات من ماء الزهر الرفيع الذي يعطر الشاي والحلويات التقليدية، ويزين الأفراح والمناسبات. إنه طقس نسائي بامتياز، يلخص ارتباط المرأة التطوانية بجذورها الأندلسية وحسها الجمالي الرفيع.


لم تكن تطوان يوما مدينة منغلقة، بل كانت عبر العصور صلة الوصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. اليوم، تكرس المدينة نفسها ك عاصمة للثقافة والحوار المتوسطي، حيث تحتضن مهرجانات دولية ومنتديات فكرية تلتقي فيها الحضارات.


ويكتمل هذا المشهد الثقافي بوجود المكتبة العامة والمحفوظات، التي تعتبر خزانة معرفية وثائقية هامة، تحرس ذاكرة المدينة وتضم مخطوطات نادرة تؤرخ للعلاقات المغربية الأندلسية ومراحل الاستعمار. وفي قلب هذا الزخم، يقف القصر الملكي بساحته الفسيحة وهندسته الموريسكية البديعة، ليعكس العراقة السياسية للمدينة كعاصمة صيفية تاريخية.


إن تاريخ تطوان مرتبط ارتباطا وثيقا بالهجرة الأندلسية؛ فالمدينة أعيد بناؤها وازدهرت على يد الموريسكيين الذين طردوا من الأندلس، فنقلوا معهم هندستهم، وموسيقاهم، وحرفهم.


وهنا، لا بد للزائر أن يضيع في دروب المدينة العتيقة (المصنفة تراثا عالميا من طرف اليونسكو) ليتعرف على عبقرية الصانع التطواني في أسواقه الحية:


دار الدباغ: حيث تصنع الجلود بالطرق التقليدية المتوارثة منذ قرون، في لوحة فنية تعبق برائحة الأصالة.


حي الصياغين: حيث يبرع الحرفيون في صياغة الحلي الفضية والذهبية بدقة أندلسية ساحرة.


 النجارين: حيث تتداخل أصوات المطارق ونشر الخشب لتنتج أثاثا وتحفا خشبية منقوشة تحاكي قصور غرناطة وإشبيلية.


تطوان ليست مجرد وجهة سياحية نمر بها عابرين، بل هي تجربة إنسانية وحضارية تعاش بالقلب. إنها المدينة التي تبتسم في وجه زوارها بكبرياء أندلسي، وترحب بهم بلسان مغربي دافئ وأمان مطلق. من يزور تطوان مرة، يترك فيها قطعة من قلبه، ويعود إليها دوما.. لأنها باختصار، مدينة تعشقها من النظرة الأولى، ويملكك أهلها بطيبتهم وحبهم لمدينتهم البيضاء.

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page