تونس أمام جيلٍ مهدّد: حين تتحول المخدرات إلى عنف

بقلم نورة حفيّظ- تونس
لم تعد أخبار المخدرات في تونس تمرّ كأخبار أمنية عابرة. شيئاً فشيئاً، أصبحت المخدرات جزءاً من مشهد أكثر خطورة، عنوانه العنف، واستهداف المراهقين، وتراجع الرقابة الأسرية، واتساع الفضاء الرقمي، وثقافة الربح السريع التي تغري جزءاً من الشباب.
وجاءت قضية الفتاة القاصر يقين، البالغة 15 عاماً، في الملاسين لتعيد هذا الخطر إلى واجهة النقاش الوطني. فقد فتحت الوحدات الأمنية بحثاً بإذن من النيابة العمومية إثر تعرض قاصر لاعتداء خطير، فيما تتواصل الأبحاث لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات. كما راجت على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات متضاربة حول مصير الضحية، قبل أن تؤكد مصادر أمنية أنها على قيد الحياة وتتلقى العلاج.
هذه القضية، بعيداً عن تفاصيلها التي تبقى من اختصاص التحقيق والقضاء، تطرح سؤالاً يتجاوز الجريمة نفسها:
كيف يصل العنف إلى هذا المستوى؟ وكيف أصبح بعض المراهقين قريبين إلى هذه الدرجة من عالم الجريمة والمخدرات والاستغلال؟
المخدرات لم تعد ظاهرة هامشية
الأرقام الأمنية تكشف اتساع الظاهرة. فقد تحدثت وزارة الداخلية عن أكثر من 15 ألف قضية مخدرات خلال سنة 2025، وعن عشرات الآلاف من الأشخاص الذين تم إيقافهم أو التحقيق معهم في قضايا مرتبطة بالمخدرات. كما أكدت الأجهزة الأمنية أن شبكات الترويج أصبحت أكثر تنظيماً، وأن بعضها يستغل القصر في عملية توزيع المخدرات، خصوصاً في محيط المؤسسات التربوية.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
المروج لا يبحث فقط عن مستهلك بالغ يملك المال؛ إنه يبحث عن سوق جديدة، والمراهق بالنسبة إلى شبكات الترويج يمكن أن يكون مستهلكاً، أو وسيطاً، أو حلقة صغيرة في سلسلة توزيع أكبر.
وقد تحدث مسؤول أمني تونسي عن إيقاف مروجين استغلوا قصراً لترويج القنب الهندي والأقراص المخدرة في محيط المؤسسات التربوية وفي صفوف التلاميذ.
//المخدرات والرهان والربح السريع… اقتصاد خفي يجذب الشباب//
هناك ظاهرة أخرى تستحق التوقف عندها: انتشار ثقافة الربح السريع بين بعض الشباب والمراهقين، سواء عبر الرهان الرياضي غير القانوني أو عبر شبكات ترويج المخدرات وغيرها من الأنشطة غير المشروعة.
ولا يعني ذلك أن الرهان يؤدي آلياً إلى المخدرات أو العنف، لكن هناك تقاطعاً واضحاً في بعض البيئات بين المقامرة غير القانونية، الأموال السريعة، غسل الأموال، وشبكات الجريمة المنظمة. وقد كشفت وزارة الداخلية سابقاً عن شبكات تمارس الرهان الرياضي غير القانوني وتبييض الأموال، كما ضبطت تحويلات وأموالاً مرتبطة بهذه الأنشطة.
المشكلة بالنسبة إلى المراهق ليست فقط في خسارة المال.
إنها في الفكرة التي تتسلل إلى عقله: لماذا أدرس وأعمل وأنتظر سنوات حتى أكسب المال، بينما يمكنني أن أحصل عليه بسرعة؟
هذه الفكرة، حين تجتمع مع البطالة والتهميش وضعف الرقابة الأسرية، قد تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب من شبكات تبحث عن أشخاص لتنفيذ عمليات التوزيع أو التحصيل أو الابتزاز أو غيرها من المهام.
والشبكات الإجرامية تعرف جيداً كيف تستغل هذا الطموح.
تقدم المال السريع، ثم تجعل الشاب مديناً لها، أو مرتبطاً بها، أو خائفاً من الانسحاب.
ومن هنا يمكن أن يبدأ العنف.
فالأموال الناتجة عن أنشطة غير قانونية لا تحكمها العقود ولا المحاكم؛ تحكمها أحياناً التهديدات والابتزاز والقوة. وكلما اتسعت السوق غير القانونية، زادت الحاجة إلى حماية المصالح بالقوة.
وهذا ما يجعل مكافحة المخدرات والرهان غير القانوني ليست مجرد معركة ضد سلوكيات فردية، بل أيضاً معركة ضد اقتصاد موازٍ يغري الشباب بفكرة المال السهل ثم يضعهم في دائرة الجريمة والعنف.
وقد أعلنت وزارة الداخلية في 2026 تفكيك شبكات إجرامية تنشط في ترويج المخدرات وتبييض الأموال والابتزاز والقتل المأجور، وهو ما يعكس وجود تداخل بين بعض أنشطة المخدرات وأشكال أخرى من الجريمة المنظمة.
وفي هذا المشهد تبرز أيضاً شبكات التجارة الموازية، أو ما يعرف في تونس بـ«الكناطرية»، وهي شبكات تنشط في إدخال وتوزيع سلع ممنوعة أو غير خاضعة للمسالك القانونية، مستفيدة من المسالك الحدودية والاقتصاد غير الرسمي. وقد تداخلت بعض هذه الشبكات، بحسب تقارير بحثية، مع شبكات تهريب واستغلال مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، من دون أن يعني ذلك اتهام المهاجرين كجماعة بهذه الأنشطة. والخطر يكمن عندما تتقاطع هذه التجارة غير القانونية مع المخدرات والرهان غير المشروع وتبييض الأموال، فتتشكل أمام الشباب سوق خفية تقوم على المال السريع، وتفتح في بعض الحالات الطريق أمام الابتزاز والعنف والجريمة المنظمة.
//العودة المدرسية… الخوف الذي يسكن البيوت//
مع كل عودة مدرسية، لم يعد قلق الأولياء مقتصراً على الدراسة والنتائج.
هناك سؤال جديد:ماذا يحدث لأبنائنا بعد مغادرة المدرسة؟
من يرافقهم؟ من يعرف أصدقاءهم؟ أين يقضون ساعات ما بعد الدروس؟ ومن يتواصل معهم عبر الهاتف؟.
الأسرة التونسية تعيش تحت ضغط كبير. الأب قد يعمل لساعات طويلة، والأم قد تكون عاملة أو موظفة أو مثقلة بمسؤوليات البيت، وفي ظل ارتفاع تكاليف الحياة تصبح المتابعة اليومية للأبناء أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، أصبح الهاتف الذكي بوابة مفتوحة إلى عالم كامل.
مواقع التواصل، غرف المحادثة، المحتوى العنيف، المواقع الإباحية، علاقات الغرباء، والتحديات الخطرة، كلها يمكن أن تدخل إلى غرفة الطفل من دون أن يشعر الوالدان.
وهنا لا يجوز تبسيط المشكلة بالقول إن الإنترنت يصنع الجريمة، لكن من الضروري الاعتراف بأن طفلاً أو مراهقاً بلا توجيه ورقابة يمكن أن يتعرض لمحتوى يفوق قدرته على الفهم والمقاومة.
//الأمن في الخط الأول//
الأجهزة الأمنية تخوض يومياً مواجهة مع شبكات التهريب والترويج.
وقد أعلنت وزارة الداخلية في أكثر من مناسبة عن حجز كميات كبيرة من المخدرات وتفكيك شبكات منظمة، كما تحدثت عن عمليات استعلامية تستهدف كبار المروجين والموردين وليس فقط المستهلكين الصغار ، وهذا أمر أساسي.
لكن الأمن وحده لا يستطيع أن يحل المشكلة ، فإيقاف المروج مهم، لكن ماذا عن الطفل الذي كان مستهدفاً من طرفه؟وماذا عن المراهق الذي بدأ التعاطي ولم يصل بعد إلى مرحلة الإدمان؟ وماذا عن الأسرة التي لا تعرف كيف تتعامل مع ابنها؟..
المواجهة الحقيقية تحتاج إلى أمن قوي، ومدرسة يقظة، وأسرة حاضرة، وإحاطة نفسية واجتماعية، وعلاج للمدمنين، ومراقبة أكثر جدية للفضاء الرقمي.
//هل تكفي العقوبات؟//
بعد كل جريمة تهز المجتمع، يعود النقاش حول العقوبات، ويبرز خصوصاً مطلب تطبيق عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة.
عقوبة الإعدام ما تزال موجودة في التشريع التونسي، وتخضع الأحكام الصادرة بها إلى إجراءات قانونية خاصة.
ومن حق المجتمع أن يناقش العقوبات التي يراها مناسبة للجرائم البالغة الخطورة، ومن حق عائلات الضحايا أن تطالب بأقصى درجات العدالة.
لكن في كل قضية، يجب أن يبقى هناك فارق أساسي بين الغضب المشروع من الجريمة وبين الحكم على المتهم قبل انتهاء التحقيق والمحاكمة.
المطلوب عدالة حازمة وسريعة، ولكن أيضاً عدالة تقوم على الأدلة والإجراءات القانونية وتصل إلى كل من تثبت مسؤوليته.لا نريد جيلاً يخاف من الشارع ومن الهاتف معاً
قضية يقين يجب ألا تنتهي بانتهاء الخبر ، يجب أن تكون مناسبة لفتح ملف أوسع: لماذا أصبح العنف قريباً من أطفالنا؟ ولماذا أصبحت المخدرات تستهدف المراهقين؟ ولماذا أصبحت ثقافة المال السريع أكثر إغراءً لدى بعض الشباب؟
المشكلة ليست المخدرات وحدها.
وليست الأسرة وحدها..وليست المدرسة وحدها..وليست الأجهزة الأمنية وحدها…إنها منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء.
نحتاج إلى ضرب شبكات المخدرات من منابعها، وتجفيف الأموال التي تمولها، ومقاومة الرهان غير القانوني وغسل الأموال، وحماية محيط المدارس، وتشديد الرقابة على استغلال القصر، وفي الوقت نفسه إعادة الأسرة والمدرسة إلى قلب عملية التربية والوقاية.
فالطفل الذي لا يجد احتواءً في البيت قد يبحث عنه في الشارع.
والمراهق الذي يرى المال السريع أمامه قد لا يدرك الثمن الحقيقي الذي سيدفعه.
والشاب الذي يدخل عالم الجريمة قد يكتشف متأخراً أن المال الذي ظنه طريقاً إلى الحرية كان في الحقيقة طريقاً إلى الخوف والعنف والسجن.
وفي النهاية، فإن معركة تونس ليست فقط ضد المخدرات.
إنها معركة من أجل حماية جيل كامل من أن يصبح ضحية… أو أن يتحول، في لحظة ضعف واستغلال، إلى جزء من آلة الجريمة.


تعليقات