حين تصبح الدبلوماسية مسألة دخل: تونس في اقتصاد إقليمي متحوّل

بقلم: نورة حفيّظ- تونس
لم تعد السياسة الاقتصادية لأي دولة تُصنع داخل حدودها فقط. ففي اقتصاد عالمي تتداخل فيه التجارة والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد ورأس المال، أصبحت الدبلوماسية جزءًا من آلية إنتاج الثروة نفسها. وتونس، بحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها الاقتصادية، تبدو شديدة الحساسية لهذا الترابط: ما يحدث في أوروبا وليبيا والجزائر والشرق الأوسط وآسيا لا يبقى خارج الحدود، بل ينتقل إلى الميزان التجاري، والأسعار، والاستثمار، والسياحة، وفرص العمل، وبالتالي إلى توزيع الدخل داخل المجتمع.
من منظور الاقتصاد السياسي، لا تبدأ مسألة توزيع الثروة عند الأجور والضرائب والدعم؛ بل تبدأ قبل ذلك، عند السؤال عن من ينتج، ومن يصل إلى السوق، ومن يمتلك القدرة على التفاوض، ومن يستحوذ على القيمة المضافة. ومن هنا تصبح الدبلوماسية الاقتصادية أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية: فتح الأسواق، استقطاب الاستثمار، تأمين الطاقة، بناء الشراكات الصناعية والتكنولوجية، وتسهيل اندماج الشركات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية.
قتصاد منفتح… لكن شديد التركّز
تكشف الأرقام عن مفارقة تونسية واضحة. فقد بلغت صادرات البلاد خلال 2025 نحو 63.7 مليار دينار، مقابل واردات بـ85.5 مليار دينار، أي عجز تجاري بلغ 21.8 مليار دينار. وكان العجز الطاقي وحده في حدود 11.1 مليار دينار. والأكثر دلالة أن 69.9% من الصادرات التونسية توجهت إلى الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد البيانات الأوروبية حجم هذا الارتباط: الاتحاد الأوروبي استحوذ في 2025 على 59.5% من إجمالي تجارة تونس، و73.2% من صادراتها، كما يمثل 85% من مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس.
لا تكمن المشكلة في العلاقة الأوروبية بحد ذاتها؛ فهي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد التونسي. لكن تركيز التجارة والاستثمار في فضاء واحد يرفع درجة التعرض للصدمات الخارجية. ولذلك فإن تنويع الشراكات لا يعني استبدال أوروبا، وإنما تقليل مخاطر التركّز وتحسين القدرة التفاوضية للاقتصاد التونسي.
وتظهر البيانات الأحدث أن الأشهر الثمانية الأولى من 2026 شهدت ارتفاع الصادرات بنسبة 8%، مقابل زيادة الواردات بـ11.6%، ليتسع العجز التجاري إلى 17.85 مليار دينار. وارتفعت صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 7.5% تقريبًا، في حين ارتفعت الواردات من الصين بـ6.1% ومن الهند بـ4.2%.
//حين تتوقف الثروة عند السوق
لا يكفي أن تنتج تونس أكثر كي يرتفع دخل التونسيين؛ السؤال هو كيف تنتقل القيمة من المنتج إلى المستهلك، ومن النشاط الاقتصادي إلى الأجر والاستثمار والجباية والخدمات العامة.
وتبرز هنا أزمة منظومة التوزيع الزراعي والسوق المركزية. فالدولة تعمل على إعادة هيكلة شبكة تضم نحو 70 سوقًا للجملة وتطوير البنية اللوجستية وسلاسل التبريد. وقد أظهرت دراسة ميدانية دعمتها منظمة الأغذية والزراعة والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن النموذج التونسي ما زال يفرض مرور المنتجات عبر الأسواق بالجملة، مع اعتماد نظام رسوم مختلف عن نماذج أوروبية تمنح الأسواق خدمات إضافية في النظافة والتخزين والرقمنة والسلامة الغذائية. كما يجري بحث تطوير منصة لوجستية للبطاطا ومنتجات أخرى في منطقة قربة.
المسألة هنا ليست «الوسيط ضد الفلاح». فالأسعار النهائية تتشكل من تكاليف النقل والتخزين والتبريد والتمويل والفاقد وهوامش مختلف المتدخلين. لكن ضعف سلسلة القيمة الزراعية يرفع تكاليف المعاملات ويضعف القدرة التفاوضية للمنتج، ما يعني أن جزءًا من القيمة التي يمكن أن تتحول إلى دخل ريفي أو استثمار محلي يضيع داخل منظومة توزيع غير كفؤة.
وهذا يوضح أن إعادة توزيع الدخل لا تبدأ فقط من وزارة المالية؛ بل تبدأ أيضًا من كيفية تنظيم السوق.
النمو لا يعني بالضرورة توزيعًا أفضل//
بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لتونس 171.6 مليار دينار في 2025، فيما بلغ تكوين رأس المال الثابت الإجمالي 26.5 مليار دينار. لكن البطالة بقيت عند 15.2% في الربع الأخير من السنة، وبلغت بين الشباب 15–24 سنة 38.4%، بينما وصلت بين حاملي الشهادات العليا إلى 22.5%.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الاقتصاد السياسي: النمو الكلي لا يخبرنا وحده عن كيفية توزيع ثماره.
فإذا كان النمو يأتي من قطاعات ذات قيمة مضافة محدودة، أو من نشاط لا يولد وظائف كافية، أو يتركز جغرافيًا في مناطق معينة، فإن ارتفاع الناتج لا يتحول بالضرورة إلى تحسن متناسب في الدخل المتاح للأسر.
//جغرافيا الأزمات
تونس لا تتلقى الصدمات الخارجية عبر قناة واحدة. الحرب الروسية-الأوكرانية كشفت هشاشة أسواق الطاقة والحبوب؛ والتوترات في الشرق الأوسط تضيف مخاطر على النقل البحري والطاقة والسياحة؛ أما ليبيا فتمثل حالة أكثر مباشرة، حيث تتقاطع التجارة الحدودية وحركة الأشخاص والخدمات والاستثمار مع الاستقرار السياسي.
وفي المقابل، يمكن للجغرافيا نفسها أن تصبح أصلًا اقتصاديًا. الجزائر وليبيا وأوروبا ليست مجرد كيانات سياسية محيطة بتونس، بل ثلاثة فضاءات اقتصادية مختلفة يمكن أن تتكامل معها: طاقة وأسواق في الجوار المغاربي، ورأس مال وتكنولوجيا وسوق تصديرية في أوروبا.
المشكلة، إذن، ليست في غياب الموقع الاستراتيجي، وإنما في قدرة تونس على تحويل الموقع إلى قيمة اقتصادية.
آسيا: من «حلفاء جدد» إلى شركاء في الإنتاج
هنا تبرز الصين والهند وكوريا الجنوبية، ليس باعتبارها بدائل سياسية لأوروبا، وإنما كجزء من التحول في مركز الثقل الاقتصادي العالمي.
الصين أصبحت لاعبًا تجاريًا مهمًا بصورة متزايدة؛ ففي 2025 ارتفعت واردات تونس منها بنسبة 20.2%، وفق المعهد الوطني للإحصاء. لكن التحدي الحقيقي ليس زيادة الواردات، بل الانتقال من علاقة يغلب عليها تدفق السلع إلى علاقة تتضمن استثمارًا ونقل تكنولوجيا وإنتاجًا محليًا.
كوريا الجنوبية تقدم مثالًا أكثر دلالة على إمكانية هذا الانتقال. فقد أعلنت شركة Yura Corporation الكورية في ديسمبر 2025 بدء بناء وحدة إنتاج خامسة لها في القيروان باستثمار قدره 50 مليون دينار، مع قدرة تشغيلية تصل إلى 6000 وظيفة. الشركة تعمل في مكونات السيارات والأسلاك الكهربائية وتورد لعلامات عالمية مثل Hyundai وKia وMercedes.
أما الهند، فتقدم نموذجًا مختلفًا يرتبط بالاقتصاد الرقمي والقيمة المضافة العالية. ففي مايو 2026 أعلنت شركة KPIT Technologies الهندية استثمار 1.52 مليون دولار لإنشاء مركز للهندسة البرمجية في صفاقس، متخصص في تكنولوجيا التنقل والسيارات.
هذه الأمثلة تكشف الفرق بين التجارة الخارجية والدبلوماسية الاقتصادية: الأولى تقيس حركة السلع والخدمات، بينما الثانية تسعى إلى التأثير في شروط هذه الحركة واتجاهها ونوعية القيمة التي تنتج عنها.
من الدبلوماسية إلى جيب المواطن
إذا كان الاقتصاد التونسي يريد الخروج من دائرة النمو المحدود، فإن المسألة لا تتعلق فقط باستقطاب المزيد من الأموال، بل بنوعية الأموال والاستثمارات والأسواق التي تدخل الاقتصاد.
الاستثمار الذي ينشئ مصنعًا ويوطن التكنولوجيا ويدمج المؤسسات المحلية في سلاسل التوريد يختلف اقتصاديًا عن استيراد سلعة جاهزة. والسوق التي تستقبل منتجًا تونسيًا عالي القيمة تختلف عن سوق لا تتلقى سوى منتجات منخفضة القيمة المضافة. والشراكة التي تؤمن الطاقة أو تخلق صناعة جديدة تختلف عن اتفاقية لا تتجاوز الإطار البروتوكولي.
لهذا فإن الدبلوماسية الاقتصادية الفعالة تُقاس بمؤشرات اقتصادية قابلة للقياس: قيمة الاستثمارات المستقطبة، عدد الوظائف المستحدثة، القيمة المحلية المضافة، نمو الصادرات، تنويع الأسواق، نقل التكنولوجيا، وتوزيع النشاط بين الجهات.
وهنا تتقاطع الدبلوماسية مع الاقتصاد السياسي: ففتح سوق في الخارج لا يصبح مكسبًا وطنيًا إلا إذا استطاعت المؤسسات الداخلية تحويله إلى إنتاج ودخل وتشغيل. وإصلاح السوق الداخلية لا يكتمل إذا ظل الاقتصاد عاجزًا عن فتح أسواق جديدة في الخارج.
المعادلة التونسية، في النهاية، ليست «أوروبا أم آسيا»، ولا «الدبلوماسية أم الاقتصاد». إنها علاقة أكثر تعقيدًا: كيف تستخدم تونس موقعها وعلاقاتها الدولية لتوسيع قاعدة خلق الثروة، ثم تستخدم مؤسساتها الداخلية لضمان انتقال جزء أكبر من هذه الثروة إلى الأجور والاستثمار والجهات والفئات التي ظلت خارج دوائر النمو؟
ففي اقتصاد شديد الانفتاح على الخارج، تصبح الدبلوماسية الاقتصادية جزءًا من سياسة الدخل، ويصبح تنويع الشراكات ليس ترفًا جيوسياسيًا، بل أحد شروط تقليل هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات وخلق مساحة أوسع لإعادة توزيع الثروة داخليًا.


تعليقات