top of page

حين تغيب الرحمة… ماذا يبقى فينا؟

  • قبل 4 ساعات
  • 2 دقيقة قراءة


كتب - محمد منذر ورد


في زمنٍ تتسارع فيه الأيام وتثقل فيه القلوب، يبدو أن شيئًا عظيمًا قد تراجع في داخلنا… الرحمة. تلك القيمة التي كانت يومًا أساس العلاقات بين الناس، وروح المجتمع، ونبض الإنسانية. نتساءل بمرارة: لماذا أصبح القسوة لغةً يتحدث بها الكثيرون؟ ولماذا صار الكره أقرب من التسامح، والخصام أسهل من العفو؟


أليس المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا؟ أليست هذه الكلمات منهج حياة، لا مجرد حديث يُتلى؟ كيف تحوّلنا من أمةٍ يُعرف أفرادها بلين القلوب، إلى واقعٍ يطغى فيه الجفاء، وتُكسر فيه الخواطر دون اكتراث؟


الرحمة ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي قوة عظيمة، قوة من يملك نفسه عند الغضب، ومن يختار العفو حين يكون قادرًا على الرد، ومن يرى في الآخرين إنسانًا قبل أن يرى فيه خصمًا. الرحمة هي أن تمسك لسانك حين تجرح الكلمة، وأن تمد يدك حين يتراجع الآخر، وأن تعذر حين تضيق النفوس.

وقد قيل في الحكمة:


“ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.”

وفي الشعر ما يختصر المعنى:

وإذا قسَتِ القلوبُ على البرايا

فما بقيَتْ من الإنسانِ إنسانيّتُهْ

لقد أصبحنا نعيش في عالمٍ سريع الحكم، بطيء الفهم. كلمة واحدة قد تُشعل خلافًا، ونظرة قد تُفسر بغير معناها، وموقف بسيط قد يتحول إلى قطيعة طويلة. كل ذلك لأن الرحمة غابت… لأننا لم نعد نلتمس الأعذار، ولم نعد نبحث عن الخير في بعضنا.

لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها: أننا جميعًا راحلون. كل هذا الصخب، وكل هذا الغضب، وكل هذه القسوة… لن تبقى. سنمضي إلى ديار الحق، حيث لا ينفع إلا قلب سليم، ولا تُوزن إلا الأعمال. فماذا سنحمل معنا؟ كلمات قاسية؟ قلوبًا جرحناها؟ أم لحظات رحمةٍ كُتب لنا بها الأجر؟

إن الرحمة ليست خيارًا ثانويًا في حياتنا، بل هي جوهر الإيمان، وعنوان القرب من الله. بها تُبنى البيوت، وتُحفظ العلاقات، وتُداوى الجراح التي لا تُرى. الرحمة هي التي تجعل للحياة معنى، وللإنسان قيمة.

فلنعد إليها… قبل أن يفوت الأوان.

لنُخفف أحكامنا، ونُلين كلماتنا، ونُحسن الظن ببعضنا.

لنكن كما أراد لنا ديننا: قلوبًا متراصة، لا تهدمها الخلافات، ولا تُفرقها القسوة.

ففي النهاية… لن يُذكر الإنسان بقوته، ولا بحدته، بل برحمته.

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page