حين يصبح الشعر وِردا: الاديب قيس بن يحيى في حضرة الجمعة

د. محمد غاني، كاتب، المغرب
قراءة في ديوان ""ليلة الخميس... نفس الجمعة"

على غلاف أزرق داكن، في لون المساء حين يوشك أن يستوي ليلا، تنبثق من الحافة اليسرى دائرة من الحروف الفضية لا يظهر منها إلا نصفها، كأنها قمر يطلع من خلف سور، أو سر لم يأذن الخطاط إلا بكشف شطره. وقبالتها كتب العنوان بالأبيض «ليلة الخميس..."، ونزلت تحته بلون الذهب عبارة «نفس الجمعة". لا أقرأ النقاط الثلاث الفاصلة بين الشطرين علامة ترقيم عابرة، فهي عندي نفس محبوس ينتظر الفجر، ومسافة ترقب يقف فيها المرء بين يوم يودعه ويوم يتهيأ له. من هذه المسافة كتب الشاعر قيس بن يحيى ديوانه الجديد الصادر عن منشورات سوشبريس، وهي مسافة يعرفها كل من جلس مساء خميس ينتظر شيئا لا يعرف كيف يسميه.
والعنوان، في ما يبدو لي، يجمع تقويمين في جملة واحدة. فالناس في أيامنا يسمون مساء الخميس ليلة الخميس، جريا على منطق الساعة الحديثة التي تفتتح اليوم عند منتصف الليل، أما التقويم الذي درج عليه الفقهاء فيجعل الليل سابقا لنهاره، فتدخل ليلة الجمعة بغروب شمس الخميس. هكذا يقف الشاعر، في الساعة ذاتها، بين زمن المواعيد الرسمية الذي يعرفه رجل الدولة جيدا، وزمن آخر يعد فيه المؤمن قلبه لنداء الجمعة، ذلك النداء الذي جعله القرآن سعيا إلى الذكر: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله». وقد ألف المغاربة أن يعمروا هذه الليلة بالصلاة على النبي وبمجالس الذكر والمديح، فكأن الديوان ورد شعري انضم إلى أوراد تلك الليلة.
ثم إن كلمة "فس"جاءت على الغلاف عارية من الشكل، فتركت للقارئ أن ينطقها بفتح الفاء فيسمع فيها نسمة الجمعة وهي تقترب، أو بتسكينها فيرى فيها الروح وهي تتهيأ للقاء. والترجمة الفرنسية التي رافقت تقديم الديوان مالت إلى معنى النسمة والتنفس، غير أن العربية لا تتخلى عن ظلالها بهذه السهولة. وحين نعلم أن محيي الدين ابن عربي من الأسماء التي يقر الشاعر بأثرها في تجربته، يحضرنا ما سماه الشيخ الأكبر «النفس الرحماني»، ذلك النفس الذي تنبسط فيه الموجودات انبساط الحروف في نفس المتكلم. ولا أستبعد أن تكون دائرة الحروف المرسومة على الغلاف قد لامست هذا المعنى من حيث لم يقصد أحد.
وليس الربط بين العنوان والوقت ضربا من الترف التأويلي. فقد أخبر الشاعر، في اللقاء الذي خصصه له نادي الكتاب التابع لمجموعة «لوماتان» في ماي الماضي، ختاما لسلسلة لقاءات نظمها النادي على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب، أنه كتب نصوص الديوان مساء كل خميس على امتداد ما يقارب ثلاث سنوات، طلبا لما سماه «الطمأنينة». والكلمة وحدها تستدعي عند قارئ القرآن قوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، وفي هذه الآية القصيرة يلتقي الذكر والقلب والطمأنينة، وهي مفردات لا تكاد تفارق عالم الديوان كما وصفه من قرؤوه وقدموه.
وفي الانتظام على موعد أسبوعي طيلة ثلاث سنين درس قائم بذاته. يعلم أهل الطريق مريديهم أن الورد الدائم وإن قل أنفع من الكثير المنقطع، أخذا بالحديث الصحيح «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وكأن قيس بن يحيى نقل هذه القاعدة من السلوك إلى الكتابة، فجعل للقصيدة موعدا كما جعل الشرع للصلاة وقتا. ويزداد هذا التحول دلالة إذا تذكرنا أن كتابته وصفت منذ مجموعته الأولى بالانفجارية، وأنه قلما كان يعود إلى قصائده بالتنقيح، مكتفيا بالحال التي أملاها عليه الانفعال الأول. في «ليلة الخميس... نفس الجمعة» يبدو لي أن الانفجار صار نبعا يفيض في موعد معلوم.
وقد نبهت الباحثة في التصوف ثريا إقبال، في قراءتها للديوان خلال ذلك اللقاء، إلى حضور مفاهيم التوحيد والذكر والإحسان، ولاحظت أن كلمة القلب تتردد في قصائده أكثر من خمسين مرة. والرقم دال عندي، فالقلب في المعجم الصوفي أوسع من العضو ومن موطن العاطفة، هو المرآة التي صورها أبو حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين» محلا تنعكس فيه حقائق الأشياء كلما صقله الذكر وجلته المجاهدة. ومن هذه المرآة يقترب معنى الإحسان الذي عرفه حديث جبريل بأن «تعبد الله كأنك تراه»، فالرؤية هنا شأن القلب قبل أن تكون شأن العين. أما ابن عربي فيرى أن القلب سمي قلبا لتقلبه مع التجليات، فهو يسع الصور كلها ولا يستقر على صورة واحدة، وذلك ما أنشده في «ترجمان الأشواق»:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
ولعل هذا القلب القابل هو الخيط الذي يصل الديوان الجديد بما سبقه. فقد عرف القراء قيس بن يحيى صاحب «باتش ووردز» بجزأيه، صدر أولهما سنة 2022، وصدر الثاني عن الدار التي نشرت ديوانه الجديد، بتقديم من الشاعر والروائي كبير مصطفى عمي، وفيه تتجاور الفرنسية والإنجليزية والعربية تجاور الرقع في لحاف واحد. وكان الشاعر منذ عمله الأول يقدم نفسه صانعا لرقع الكلمات، فلم أستطع وأنا أتأمل هذه التسمية إلا أن أتذكر «المرقعة»، خرقة الصوفية التي تجمع قطعا متباينة في ثوب واحد وتعلن فقر لابسها إلى الله. كأن رقع الكلمات التي خاطها في بداياته صارت اليوم خرقة يدخل بها مجلس الذكر. وقد قال في اللقاء نفسه إن الشعر يتجاوز حدود اللغات والثقافات والهويات ليذكر البشر بما يجمعهم في العمق، وهي فكرة لا تبتعد عن دين الحب الذي أنشده الشيخ الأكبر، ولا عن محبة رابعة العدوية التي قالت:
أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا
ويذكر الشاعر جلال الدين الرومي بين من أثروا فيه، ولهذا الذكر عندي معنى خاص، لأن قيس بن يحيى موسيقي قبل أن يكون شاعرا، رافقته الموسيقى منذ صغره، يؤلف ويعزف ويغني. والمثنوي يفتتح، كما هو معلوم، بشكوى الناي الذي قطع من منبته فظل يئن حنينا إلى القصب الذي كان منه. وأحسب أن القصيدة عند صاحبنا تولد لحنا في الداخل قبل أن تستقر حروفا على الورق، وأن أذنه تسبق عينه إلى المعنى.
وفي هذا الحنين صدى لإرث عائلي عميق. فقيس بن يحيى نجل الشاعر والصحفي الراحل محمد الطنجاوي، واسمه محمد بنيحيى، ابن تطوان المولود سنة 1936، الذي غنى له عبد الوهاب الدكالي «مولد القمر» و«هذي يدي ممدودة»، ولحن له محمد عبد الوهاب «الرائد الأكبر» وأداها بصوته، وغنى عبد الحليم حافظ من كلماته. لذلك لم يكن مستغربا أن يفتتح الابن لقاء تقديم ديوانه بتحية مؤثرة لعبد الوهاب الدكالي، الذي رحل قبل اللقاء بأيام قليلة، مذكرا بفضله في إيصال القصيدة المغربية إلى الناس، ومنها قصائد أبيه. وكان قد قال في رثائه: «الذاكرة الفنية العربية تفقد صوتا وفيا للشعر»، واستحضر أن الراحل كان رفيق درب والده. ولست أدري لماذا ذكرني نصف القمر المصنوع من الحروف على غلاف الابن بعنوان أغنية الأب «مولد القمر»، ولعلها من المصادفات التي يأنس إليها الشعراء.
وحين سلمت أسرة الطنجاوي خزانته كاملة إلى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية مطلع سنة 2018، كان قيس هو من وقع عقد الهبة باسم الورثة، وصادف ذلك يوم خميس. وقد تحدث الرجل في أحد حواراته عن «الصدف السعيدة» التي صنعت مسار حياته، ولا أظن مصادفة ذلك الخميس بعيدة عن هذا المعنى.
أعرف قيس بن يحيى عن قرب، ولا أكتب عنه مجاملا، فالمجاملة آخر ما يليق بمن يعرف وزن الكلمة، وإنما أدون إعجابا كبيرا بشخصه وبرفعة ثقافته. فالرجل اليوم مكلف بمهمة بالديوان الملكي، وقبل ذلك أدار التواصل والتنمية المؤسساتية بمؤسسة محمد الخامس للتضامن نحو عشر سنوات، وتكوينه الأصلي هندسة الكيمياء النووية. ومن لطائف الأقدار أن ينتقل رجل تكون في كيمياء النواة إلى كيمياء القلب، فيذكرنا بأن أبا حامد الغزالي وضع كتابا سماه «كيمياء السعادة»، وأن الكيمياء في لغة القوم صناعة تنقل النفس من كدرها إلى صفائها. حضرت له مناسبات فكرية رفيعة المستوى، ورأيته يحاضر بلغات أجنبية يتقنها، ويناقش بلباقة الدبلوماسي وبلاغة الأديب، فإذا صور فكرته جاء بخيال الروائي، وإذا فككها أخذ بصرامة الفيلسوف في التحليل. أما دماثة خلقه وطيب معاملته فطبع فيه، أجده في المجلس الرسمي كما أجده في الحديث العابر. وقد شهد له أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك، يوم توقيع ديوانه الأول بالرباط، بأن له «مشروعية الإبداع في كل أشكال التعبير الثقافي، بما فيها الموسيقى»، وهي شهادة لا أراها مبالغة.
وقد سبق للرجل أن حل ضيفا على برنامج حواري تناول سؤال النموذج الروحي الممكن في عالم يتأرجح بين العقل ونقيضه، ويبدو لي ديوانه هذا جوابا شعريا عن ذلك السؤال، جوابا يقترح على قارئه موعدا أسبوعيا مع السكينة. وقد انتهى لقاء تقديم الديوان بتأمل في مكان الشعر وسط عالم تحكمه السرعة وسطحية مواقع التواصل، وهو تأمل ينسجم مع ما دعا إليه قيس بن يحيى في أحد حواراته من مجتمع أكثر حساسية وإنسانية، تستعيد فيه الفلسفة والشعر ونقل المعرفة مكانتها. ولا يقف الأمر عنده عند حدود التأمل، فهو يعد مع الشاعر كبير مصطفى عمي لملتقى شعري دولي يجمع أصواتا من القارات الخمس بالرباط يومي 12 و13 نونبر المقبل، تحت رعاية اليونسكو، في السنة التي اختيرت فيها الرباط عاصمة عالمية للكتاب. ويستند المبادران إلى تقليد مغربي في الدبلوماسية الثقافية، إذ كان المغرب وراء اعتماد اليونسكو يوما عالميا للشعر يحتفى به في الحادي والعشرين من مارس.
أما نصيحتي لقارئ «ليلة الخميس... نفس الجمعة» فألا يستعجله. لقد كتب على مهل، خميسا بعد خميس، ومن الإنصاف أن نقرأه بالإيقاع نفسه، فنكتفي بقصيدة أو اثنتين كل مساء خميس، حين تهدأ المدينة ويأخذ ذلك النفس الذهبي المرسوم على الغلاف في التسلل إلى الصدر. حينها قد نفهم لماذا ترك الشاعر نقاطه الثلاث معلقة بين الليل والجمعة.


تعليقات