top of page

"د. شيرين العدوى" تكتب : انتصار أكتوبر عمق الجغرافيا الإنسانية

قبل 59 دقيقة
2 دقيقة قراءة


حين نشرت مراكز الأبحاث العسكرية الغربية تقاريرها إبان حرب الاستنزاف معتبرة أن مانع قناة السويس مدعوما بساتر خط بارليف الرملى وحصونه الخرسانية المنظومة الأكثر مناعة منذ خط «ماجينو»، وانطلقت من حسابات فيزيائية بحتة: كقوة النيران، وزاوية انحدار الساتر، والزمن اللازم لتدفق القوات. كان هذا أمرا جللا، غير أن ما أغفلته تلك المقاربات هو البعد الأنثروبولوجى والاستراتيجى للجيش المصري؛ فالأمم ذات التاريخ الممتد لا تخوض حروبها بأسلحة اللحظة الراهنة بل بعمق الجغرافيا الإنسانية العقائدية.


هذا التلاقى الفكرى العميق هو ما اقتحمته أبحاث عالم المصريات القدير د. ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق حول (الفنون والعمارة العسكرية فى مصر القديمة) فالمتأمل لدراسات د. دماطى يكتشف أن الأحجار تتحدث، وترفع الغطاء عن البنية التحتية للفكر العسكرى المصرى القديم القائم على ثنائية: التحصين الهندسى المتقدم لمداخل القطر، واستباق التهديد خارج الحدود؛ لفرض التوازن الوجودى. كما تكشف عن قلاع الشلال الثانى فى النوبة مثل قلعتى سمنة وقمنة، ونقوش الملك سنوسرت الثالث عن الإدراك المبكر للغاية لمفهوم الحدود الحصينة؛ حيث كانت محطات استخباراتية، ونقاط فرز لوجستى، وموانع تكتيكية تتحكم فى حركة النهر والبر عبر خنادق اصطناعية وأبراج مراقبة بزوايا رمى متداخلة.



أما عن الجبهة الشرقية مكمن الخطر الاستراتيجى الدائم، فقد شيد المصريون القدماء منظومة «طريق حورس» العسكرى بسلسلة متتابعة من الحصون، ونقاط الإمداد المحكمة التى تبدأ بقلعة ثارو (القنطرة شرق) وصولا إلى رفح. كان الهدف ضبط الميدان وتحويل الجغرافيا المفتوحة إلى ممرات خنق لتطويق الغزاة. هذا الوعى الصارم بحماية بوابات القطر، يعيد إنتاج نفسه فى كل مفصل تاريخى. فالأمن المصرى يبدأ من تخوم الصحراء الشرقية. ودرس ضياع سيناء فى 1967 كان يشرح كيفية خسارة الأرض، والخلل الفادح بالمعادلة الدفاعية. تلك التى أرساها الفراعنة قبل أربعة آلاف عام.


لقد درست معاهد الدراسات الحربية الدولية خط بارليف بوصفه ذروة الهندسة الإسرائيلية وقتها؛ لكن جغرافيا جينات الجندى المصرى كان لها رأى آخر كمن فى أن التمترس خلف الموانع الضخمة يعد خطأ فادحا؛ إذ درس بمعزل عن العقيدة المصرية القديمة التى تحول معوقات التضاريس إلى ميزات عملياتية ، كما ظهر فى حملات تحتمس الثالث العسكرية وحصار مجدو الشهيرة عبر الممر الوعر بدلا من الطرق السهلة المكشوفة. إن روح ممر عرونة ذاتها تجلت ظهيرة السادس من أكتوبر1973 باللجوء لخراطيم المياه ذات الضغط العالى لفتح الثغرات، وهو حل هيدروليكى أتى من طبيعة تفاعل المصرى مع بيئته النهرية.


ليسقط أسطورة الساتر الرملى. كما كان ترويض القناة كأعقد مانع مائى حربى، ونصب الكبارى العائمة تحت نيران المدفعية المعادية تكرارا حديثا للعبقرية الهندسية التى نقلت الجيوش والأسلحة الثقيلة عبر النيل وموانع الدلتا؛ منذ عهود أحمس ورمسيس الثانى. ففى دراسة نصوص الانتصارات الفرعونية، يبرز عنصران لا ينفصلان التخطيط الاستخباراتى الصارم الخالى من العاطفة والاندفاع المعنوى،واسترداد الشرف القائم على حماية النظام الكونى (الماعت) ضد الفوضى (الإسفت) وبألوية آمون وبتاح وست، وبحسابات دقيقة لحركة الشمس والرياح وإمدادات المياه فى الصحراء. هكذا أبانت دراسات د. دماطى أن الجيش المصرى الحديث هو الوريث الشرعى لأول جيش نظامى عرفته البشرية، فحق له النصر.

المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page