top of page

د. محمد سعد يكتب : الملك محمد السادس يحدد ملامح مغرب المستقبل ويؤكد أولوية التنمية والعدالة الاجتماعية وشراكة متوازنة مع أوروبا

قبل 24 دقيقة
9 دقيقة قراءة



خطاب افتتاح البرلمان يرسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة من الأمن المائي والغذائي إلى الذكاء الاصطناعي وتمكين الشباب وتعزيز مكانة المغرب دوليا


يمثل الخطاب الملكي الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، محطة مهمة في تحديد أولويات المرحلة المقبلة، بما تضمنه من رسائل سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية تعكس توجهات المملكة نحو ترسيخ أسس التنمية المستدامة، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتأكيد مكانة المغرب شريكا موثوقا في محيطه الإقليمي والدولي.


وتنبع أهمية الخطاب من كونه لا يقتصر على استعراض ما تحقق من إنجازات، بل يركز على طبيعة المرحلة المقبلة ومتطلباتها، من خلال التأكيد على ضرورة الانتقال من تحديد الأهداف ورسم الاستراتيجيات إلى تسريع التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، وتستجيب لتطلعاتهم في العمل والعيش الكريم والحصول على خدمات عمومية أكثر كفاءة وعدالة.


كما يطرح الخطاب رؤية متكاملة تربط بين قوة الاقتصاد واستقرار المجتمع، وبين تطوير المؤسسات وتحسين أداء الإدارة، وبين الحفاظ على المصالح الوطنية وتعزيز علاقات المغرب الدولية على أساس الاحترام المتبادل والتوازن في الالتزامات والمصالح.


وتكشف الرسائل الملكية عن إدراك لأهمية التعامل مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية التي يشهدها العالم، وما تفرضه من مراجعة للأولويات، وتطوير أدوات العمل، وتعزيز قدرة الدول على حماية مصالحها وتأمين احتياجاتها الأساسية.


#جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى لبناء اقتصاد أكثر تنافسية


احتلت التنمية الاقتصادية مكانة بارزة في الخطاب الملكي، من خلال التأكيد على أهمية إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى القادرة على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي، وتوفير مقومات النمو المستدام.


وتبرز في هذا السياق ملفات الأمن المائي والطاقي والغذائي، باعتبارها من الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا في ظل التغيرات المناخية واضطراب سلاسل الإمداد والتقلبات التي تشهدها الأسواق الدولية.


فالأمن المائي، على سبيل المثال، لم يعد مجرد ملف مرتبط بتوفير مياه الشرب والري، وإنما أصبح عنصرا أساسيا في استدامة الإنتاج الزراعي والصناعي، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وضمان استقرار التجمعات السكانية.


وينطبق الأمر ذاته على الأمن الغذائي والطاقي، اللذين يتطلبان تنويع مصادر الإمداد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في الحلول المستدامة التي تقلل من تأثير الأزمات الخارجية على الاقتصاد الوطني.


وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية تسريع التصنيع وتطوير الاقتصاد الرقمي والاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الابتكار والإنتاج والتصدير، ويعزز قدرة المقاولات المغربية على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.


وتكمن أهمية هذه التوجهات في أنها تربط بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل، فلا يمكن بناء اقتصاد قوي ومستدام من دون الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، ولا يمكن تحقيق تنمية مستقرة من دون تأمين الموارد الأساسية وتطوير القدرات الإنتاجية الوطنية.


ومن ثم، فإن نجاح هذه الاستراتيجيات يرتبط بمدى ترجمتها إلى برامج واضحة، تتحدد فيها المسؤوليات ومصادر التمويل والجداول الزمنية ومؤشرات قياس النتائج.


القطاع الخاص شريك أساسي في الاستثمار وخلق فرص العمل


من الرسائل المهمة التي يحملها الخطاب الملكي التأكيد على الدور المحوري للقطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية، بما يعزز التكامل بين السياسات العمومية والمبادرات الاستثمارية، ويدعم الانتقال إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على توفير فرص العمل.


فالاستثمار لا يمثل مجرد أرقام تعكس حجم المشروعات أو التدفقات المالية، بل تبرز قيمته الحقيقية في قدرته على خلق وظائف مستدامة، وتطوير الصناعات، ونقل التكنولوجيا، ورفع كفاءة الإنتاج، وتوسيع قاعدة الصادرات.


ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتشجيع الابتكار، وتوفير الظروف المناسبة أمام المقاولات المغربية، ولا سيما المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لتوسيع أنشطتها والمساهمة بصورة أكبر في الاقتصاد الوطني.


كما تتطلب هذه المقاربة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، والاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الرقمية والصناعية، بما يساعد على تنويع مصادر النمو وعدم الاعتماد على قطاعات محدودة.


ويبرز هنا الترابط الوثيق بين الاستثمار والتشغيل، إذ إن توسيع النشاط الاقتصادي يكتسب أهمية اجتماعية أكبر عندما ينعكس على دخل الأسر، ويحسن فرص الشباب في الحصول على وظائف لائقة، ويعزز قدرة المواطنين على المشاركة في الحياة الاقتصادية.


ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمثل أحد المداخل المهمة لتحويل الطموحات الاقتصادية إلى مشروعات منتجة، شريطة أن تقوم على وضوح القواعد وتكافؤ الفرص وربط الحوافز الاستثمارية بالنتائج التنموية.


#الشباب في قلب التنمية والعدالة الاجتماعية


تحتل قضايا الشباب موقعا أساسيا في معادلة التنمية التي يطرحها الخطاب الملكي، انطلاقا من أن بناء المستقبل لا يتحقق من خلال المشروعات والبنية التحتية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى الاستثمار في الإنسان، وتوسيع فرص التعليم والتكوين والتشغيل والمشاركة الاقتصادية.


فالشباب يمثلون طاقة بشرية قادرة على دعم النمو والابتكار، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة إنتاجية يتطلب توفير فرص حقيقية للتأهيل والاندماج في سوق العمل، وربط منظومة التعليم والتدريب بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد.


وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات المتسارعة التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتي تعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، وتستدعي تطوير برامج التعليم والتكوين المهني والتدريب المستمر.


كما أن تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي العمل على تقليص الفوارق في فرص الحصول على الخدمات الأساسية، وتوسيع نطاق الاستفادة من برامج التنمية، وضمان ألا تظل الفرص الاقتصادية والاجتماعية مركزة في مناطق دون غيرها.


وهنا تتضح إحدى أهم دلالات الخطاب، وهي أن التنمية لا تقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي أو حجم الاستثمارات، وإنما كذلك بقدرتها على تحسين مستوى المعيشة، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز تكافؤ الفرص، وترسيخ الشعور بالكرامة والاستقرار.


ومن ثم، فإن تمكين الشباب ليس ملفا اجتماعيا منفصلا عن الاقتصاد، بل هو استثمار مباشر في مستقبل المملكة وقدرتها على مواصلة التقدم ومواجهة التحديات.


#التنمية الترابية والجهوية المتقدمة مدخل لتحقيق التوازن


يمثل ملف التنمية الترابية أحد المحاور المهمة في الخطاب الملكي، لما يرتبط به من ضرورة تحقيق التوازن بين مختلف جهات المملكة، وضمان وصول ثمار التنمية إلى المواطنين في المدن والقرى والمناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاستثمار والخدمات.


وتقوم هذه المقاربة على الانتقال من المعالجة العامة للمشكلات إلى العمل الميداني الذي يستند إلى فهم الاحتياجات الفعلية لكل منطقة، وتحديد أولوياتها، ووضع حلول عملية تتناسب مع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية.


فالتنمية المتوازنة لا تتحقق بمجرد إطلاق برامج وطنية موحدة، وإنما تحتاج إلى مراعاة الخصوصيات المحلية، وتوزيع الاستثمارات بصورة أكثر فاعلية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، وتوفير فرص العمل بالقرب من التجمعات السكانية.


وفي هذا الإطار، تكتسب الجهوية المتقدمة أهمية خاصة، باعتبارها مدخلا لتعزيز دور الجهات في إعداد البرامج التنموية وتنفيذها، وتقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين، وتحسين قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة للاحتياجات اليومية.


كما تبرز أهمية تفعيل اللاتمركز الإداري، من خلال تسريع نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات والأقاليم، وتوضيح صلاحيات مختلف المؤسسات، وتعزيز التنسيق بين الإدارات المركزية والمصالح الترابية.


وتكمن القيمة العملية لهذه التوجهات في قدرتها على تقليص المسافة بين القرار والتنفيذ، والحد من التعقيدات الإدارية، وتسريع إنجاز المشروعات، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.


غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطا بتوافر الكفاءات والموارد، ووضوح المسؤوليات، ووجود آليات فعالة لمتابعة الإنجاز وتقييم النتائج، حتى تتحول الجهوية المتقدمة من إطار مؤسسي إلى واقع تنموي ملموس.


#الاعتزاز بالهوية المغربية مسؤولية تتجاوز مشاعر الانتماء


حمل الخطاب الملكي أيضا رسالة مرتبطة بالهوية الوطنية والاعتزاز بالانتماء إلى المغرب، باعتبارهما ركيزتين لتعزيز الثقة في المستقبل وترسيخ روح المسؤولية تجاه الوطن.


ويكتسب هذا المحور أهميته من ارتباط الهوية المغربية بتاريخ المملكة ومؤسساتها وتنوع روافدها الدينية والحضارية والثقافية، وما يمثله هذا التنوع من عنصر إثراء للمجتمع وتعزيز لحضوره في محيطه الإقليمي والدولي.


كما استحضر العاهل المغربي ما سبق أن أكده بشأن اعتزازه بهويته المغربية، في إشارة إلى مكانة الانتماء الوطني في بناء العلاقة بين المواطن ووطنه ومؤسساته.


لكن دلالة الاعتزاز بالهوية، في سياق الخطاب، تتجاوز التعبير عن الفخر بما تحقق، لتؤكد أن الانتماء مسؤولية تقتضي مواصلة العمل والإصلاح، والحفاظ على المكتسبات، والمساهمة في تحقيق مزيد من التقدم.


فالإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى حافز لمواجهة التحديات المتبقية، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والمشاركة.


ومن هنا، يرتبط الاعتزاز الوطني بالقدرة على بناء المستقبل، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، وتطوير مؤسسات الدولة، وتحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم.


## شراكة متوازنة مع أوروبا تقوم على الاحترام المتبادل


على المستوى الدولي، حمل الخطاب الملكي رسائل مهمة بشأن طبيعة العلاقات التي يسعى المغرب إلى بنائها مع شركائه، ولا سيما الدول الأوروبية، انطلاقا من التأكيد على أن الشراكات المستدامة ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات وتحقيق المصالح المشتركة.


ويعكس هذا التوجه حرص المملكة على تطوير علاقاتها الخارجية بما يتناسب مع مكانتها الاقتصادية والإقليمية، وبما يضمن التوازن بين التعاون مع الشركاء الدوليين والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.


فالمغرب يرتبط بأوروبا بعلاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية مهمة، كما يتعاون معها في عدد من الملفات الإقليمية، وهو ما يجعل تطوير هذه الشراكة أمرا ذا أهمية للطرفين.


غير أن استدامة العلاقات الدولية لا تعتمد فقط على حجم التبادل التجاري أو المصالح الاقتصادية، وإنما تتطلب أيضا وضوح الالتزامات، واحترام خصوصية كل دولة، والابتعاد عن توظيف الملفات المشتركة في الضغوط السياسية.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية التي أشار إليها الخطاب الملكي بشأن تطوير الشراكة مع الشركاء الأوروبيين، بما يتيح تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.


وتعكس هذه الرسالة توجها نحو علاقات أكثر توازنا، لا تقوم على التبعية أو المصالح أحادية الجانب، بل على التعاون الذي يحقق مكاسب متبادلة ويعزز قدرة الأطراف على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية.


كما أن تنويع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على أسواق جديدة يمثلان عنصرين مهمين في تعزيز قدرة المغرب على التفاوض من موقع يستند إلى مصالحه الوطنية وإمكاناته الاقتصادية.


وتتمثل الدلالة الأساسية لهذا المحور في أن الشراكة الحقيقية لا تقاس فقط باستمرار العلاقات، بل أيضا بمدى قدرتها على احترام مصالح جميع الأطراف، وتوفير فرص عادلة للتعاون، وبناء الثقة على المدى الطويل.


#العلاقات المغربية الإسبانية نموذج لاختبار توازن الشراكات


تكتسب العلاقات المغربية الإسبانية أهمية خاصة في ضوء ما يجمع البلدين من مصالح اقتصادية وجغرافية وأمنية وإنسانية، فضلا عن ارتباطهما بعدد من الملفات المشتركة التي تتطلب تنسيقا مستمرا وحوارا مسؤولا.


وفي هذا الإطار، تبرز الرسائل المتعلقة بالعلاقات الثنائية باعتبارها تأكيدا على أهمية الحفاظ على المكتسبات التي تحققت، ومواصلة تطوير التعاون على أساس الإرادة المشتركة والاحترام المتبادل.


فالعلاقات بين الدول لا تخلو من اختلافات في وجهات النظر أو تحديات ترتبط ببعض الملفات، لكن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى قنوات حوار فعالة، وقدرة على الفصل بين الخلافات الجزئية والمصالح الاستراتيجية الأوسع.


ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على مسار التعاون المغربي الإسباني يتطلب الالتزام بالتفاهمات المشتركة، وتجنب المواقف التي قد تؤثر سلبا في الثقة المتبادلة، والعمل على معالجة الملفات الخلافية بروح من المسؤولية.


كما أن استقرار العلاقات بين البلدين ينعكس على مجالات متعددة، من التجارة والاستثمار إلى التنسيق الأمني والتعاون في قضايا الهجرة والتنمية، وهو ما يجعل استمرار الحوار مصلحة مشتركة للطرفين.


وتبرز أهمية هذه الرسائل في تأكيد أن الشراكات المستدامة تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وإلى آليات عملية لمعالجة الخلافات، بعيدا عن التصعيد الذي قد يضر بالمصالح المشتركة.


ملف الهجرة يحتاج إلى حلول عملية وتعاون أكثر فاعلية


يمثل ملف الهجرة أحد الملفات التي تتطلب تنسيقا مستمرا بين المغرب وشركائه الأوروبيين، نظرا لما يرتبط به من أبعاد إنسانية وقانونية وأمنية واجتماعية.


وقد سلط الخطاب الملكي الضوء على بعض الصعوبات المرتبطة بآليات التعاون القائمة، ولا سيما ما يتعلق بالتعامل مع حالات القاصرين غير المصحوبين وبعض الإجراءات المرتبطة بالهجرة واللجوء.


وتبرز هذه الملفات الحاجة إلى تطوير آليات التنسيق بين الدول المعنية، وتحسين الإجراءات الإدارية والقانونية، وتوضيح المسؤوليات، بما يضمن معالجة الحالات المختلفة بصورة أكثر فاعلية.


كما أن تعقيدات الهجرة قد تتيح المجال أمام شبكات الاتجار بالبشر والأنشطة الإجرامية لاستغلال أوضاع المهاجرين، وهو ما يستدعي تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات، مع مراعاة الحقوق الإنسانية والقانونية للأشخاص المعنيين.


ولا يمكن التعامل مع الهجرة باعتبارها ملفا أمنيا فقط، إذ ترتبط أيضا بعوامل اقتصادية واجتماعية وتنموية، الأمر الذي يتطلب الجمع بين حماية الحدود، ومكافحة الشبكات الإجرامية، وتطوير المسارات القانونية، ومعالجة الأسباب التي تدفع الأفراد إلى الهجرة غير النظامية.


ومن ثم، فإن نجاح التعاون في هذا المجال يحتاج إلى التزامات واضحة وآليات قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يحافظ على مصالح الدول المعنية ويحد من استغلال المهاجرين، بعيدا عن التوظيف السياسي أو التصعيد المتبادل.


البرلمان والحكومة أمام اختبار التنفيذ وتحقيق النتائج


تضع الأولويات التي تضمنها الخطاب الملكي مسؤوليات واضحة أمام المؤسسات التشريعية والتنفيذية والفاعلين الاقتصاديين، إذ إن نجاح أي رؤية تنموية يرتبط بقدرة المؤسسات على تحويل التوجهات العامة إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم.


ويبرز هنا دور البرلمان في تطوير الإطار التشريعي الذي يدعم الاستثمار والإنتاج والابتكار، وممارسة الرقابة على السياسات العمومية، ومتابعة مدى تنفيذ البرامج المعلنة، بما يضمن تعزيز الشفافية وتحسين الأداء المؤسسي.


كما تقع على عاتق الحكومة مسؤولية ترجمة الأولويات إلى خطط تنفيذية محددة، تتضمن أهدافا قابلة للقياس، وجداول زمنية واضحة، وتنسيقا فعالا بين القطاعات المختلفة، مع متابعة أثر المشروعات على حياة المواطنين.


ويحتاج ذلك إلى تعزيز التكامل بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية، بحيث لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، بل تتضافر الجهود لتحقيق أهداف مشتركة ترتبط بالتشغيل وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق.


وتزداد أهمية هذا التنسيق في الملفات الكبرى التي تتطلب مشاركة أكثر من قطاع، مثل الأمن المائي والغذائي، والتحول الرقمي، وتطوير الصناعة، وتأهيل الشباب، وتوسيع فرص الاستثمار في الجهات.


فالنجاح لا يتحقق بمجرد إعلان المشروعات أو تخصيص الموارد، بل يتطلب متابعة التنفيذ، ومعالجة أوجه القصور، وقياس النتائج، وإتاحة المعلومات التي تساعد على تقييم مدى التقدم في تحقيق الأهداف.


ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تمثل اختبارا لقدرة المؤسسات على الانتقال من مستوى التخطيط الاستراتيجي إلى مستوى الإنجاز الفعلي، بما يعزز ثقة المواطنين في السياسات العمومية ويجعل أثر التنمية أكثر وضوحا في حياتهم اليومية.


#مغرب المستقبل بين القوة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية


تكمن أهمية الخطاب الملكي في أنه يطرح رؤية مترابطة لمستقبل المغرب، تجمع بين بناء اقتصاد تنافسي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتطوير المؤسسات، وتمكين الشباب، والحفاظ على الهوية الوطنية، وبناء شراكات دولية متوازنة.


فعلى المستوى الداخلي، تبرز الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في الإنتاج والابتكار والبنية التحتية، وتطوير الإدارة، وتعزيز دور الجهات، وتوسيع فرص العمل، بما يضمن استفادة مختلف فئات المجتمع ومناطق المملكة من ثمار التنمية.


وعلى المستوى الخارجي، يؤكد الخطاب أهمية مواصلة الانفتاح على الشركاء الدوليين، مع التمسك بالاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات وصيانة المصالح الوطنية، بما يعزز مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.


وتتجاوز هذه الأولويات كونها ملفات منفصلة، لتشكل عناصر متكاملة في مشروع تنموي واحد؛ فالتنافسية الاقتصادية تحتاج إلى موارد مائية وطاقية وغذائية مؤمنة، والاستثمار يحتاج إلى كفاءات بشرية مؤهلة، والعدالة الاجتماعية تحتاج إلى نمو اقتصادي قادر على توفير فرص العمل، والتنمية الترابية تحتاج إلى مؤسسات قريبة من المواطنين وقادرة على التنفيذ.


كما أن تعزيز المكانة الدولية للمغرب يرتبط بقدرته على تطوير اقتصاده، وتحسين بيئته الاستثمارية، وتوسيع شراكاته، والحفاظ على استقرار مؤسساته، وتحقيق نتائج ملموسة على المستوى الداخلي.


وفي تقديري، فإن الرسالة الأبرز في الخطاب الملكي تتمثل في أن المرحلة المقبلة لا تقاس فقط بحجم الطموحات أو عدد الاستراتيجيات المعلنة، وإنما بمدى القدرة على تحويلها إلى إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.


فالمواطن هو المعيار الأساسي لنجاح السياسات التنموية، من خلال فرص العمل التي تتاح أمامه، وجودة الخدمات التي يحصل عليها، وقدرته على الوصول إلى التعليم والصحة، ومدى استفادته من الاستثمارات والمشروعات التي تنفذ في منطقته.


ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام مختلف المؤسسات والفاعلين يتمثل في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الطموح الوطني ومتطلبات التنفيذ، وبين الانفتاح الدولي والحفاظ على المصالح السيادية للمملكة.


إن خطاب الملك محمد السادس يضع ملامح واضحة لأولويات مغرب المستقبل، ويؤكد أن مواصلة مسيرة التنمية تتطلب عملا مؤسسيا متكاملا، ومشاركة مسؤولة من القطاع الخاص، واستثمارا حقيقيا في الشباب، وإدارة أكثر فاعلية، وشراكات دولية تقوم على التوازن والاحترام المتبادل.


وبقدر ما يحدد الخطاب اتجاه المرحلة المقبلة، فإن قيمته العملية ستتجلى في ما يتحقق على أرض الواقع من إصلاحات وإنجازات، وفي قدرة مختلف المؤسسات على تحويل التوجيهات إلى نتائج قابلة للقياس، تعزز ثقة المواطنين في المستقبل، وتدعم مكانة المغرب بوصفه دولة تسعى إلى الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والحضور الدولي




تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page