top of page

 على اجنحة الصلاة تعرج الأرواح إلى حضرة القرب

قبل 14 ساعة
3 دقيقة قراءة

  • د. محمد غاني، كاتب، المغرب


ليلة الإسراء والمعراج ليست حادثة في التاريخ فحسب، وليست كرامة تُروى للتبرك. هي أيضا خريطة للسالك، وضعها الله في سيرة أحب خلقه إليه. إذا تأملها العارف وجد فيها تأصيلا لعلاقة العبد بمن سبقه من الصالحين، وتنظيرا لمسار الترقي الذي يبدأ بالأرض وينتهي بقرب لا تحيط به العبارة.


بيت المقدس: وحدة النبوة

أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، فاجتمع الأنبياء عنده وصلى بهم إماما. في المشهد دلالة بالغة. لم يأت خاتم الرسل ناسخا لسلسلة النبوة ولا قاطعا لها، بل جاء جامعا لها ومتمما. وقف خلفه إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء، فأقرّ الوحي بصريح الفعل أن الدين واحد وإن تعددت الشرائع، وأن الأمة المحمدية وارثة لرسالات الأولين.


وهذا هو المعنى الذي تحفظه الصلاة الإبراهيمية في وسط كل صلاة وفي ختامها، فريضة كانت أو نافلة. نقول فيها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فنربط في كل ركعتين ذرية النبي بذرية إبراهيم. وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن الله الذي أخرج من نسل الخليل أنبياء وصالحين جيلا بعد جيل، لن يعدم أهل بيت نبيه ومن اتصل به من العلماء والأولياء. فالصلاة الإبراهيمية دعاء، وهي أيضا استبشار بأن الخير في هذه الأمة ممتد إلى يوم الدين.


السلام على النبي: بابٌ مفتوح لا يُغلق

ونقول في التشهد، في كل صلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. عجيب أن يخاطب المصلي رسول الله بكاف الخطاب في أخص لحظات المناجاة. إنه يقف بين يدي ربه، ومع ذلك لا ينسى أن يسلم على من دله عليه. فلا وصول إلى الله إلا بالدلالة، ولا دلالة أصدق من دلالة النبوة. وكأن المصلي يعلن في كل صلاة أن الطريق إلى الله لا يُسلك منفردا، وأن من استغنى عن الدليل ضل في بيداء نفسه.


أصحاب الكهف: المسجد عند مقام الصالحين

وفي قصة أهل الكهف قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجدا. وقد ذكر القرآن مقالتهم من غير إنكار عليهم، وفي ذلك ما يلفت النظر. فقد أدرك الناس بفطرتهم أن للصالحين حرمة، وأن مواضع نفحاتهم أولى بأن تُعمر بذكر الله. وليس المراد تعظيم الأجساد، وإنما تعظيم ما اختاره الله لعباده الذين صدقوا معه. ويبقى الميزان واضحا: المسجد لله وحده، والصالحون سبب إلى الله لا شريك له.

العروج: مقامات القرب

ثم عرج به صلى الله عليه وسلم في السماوات السبع، فلقي آدم في الأولى، ثم عيسى ويحيى، ثم يوسف، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم إبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور. وكل نبي في سمائه على قدر ما رفعه الله من الدرجات. فالقرب من الله ليس تسوية بين الخلق، بل مراتب. وهذه المراتب هي التي يستأنس بها أهل الله حين يقررون أن للأولياء درجات متفاوتة، وأن لكل منهم نصيبا من الإرث النبوي على قدر صدقه وتحققه.

وفي لقاء النبي بالأنبياء في السماوات تعليم ضمني لأولي الألباب: من طلب الوصول فلا بد له من صحبة أهل الصدق، يستمد من كل منهم ما أُعطي، ويشكر لهم فضل السبق. فموسى هو الذي ألحّ على النبي أن يرجع إلى ربه فيسأله التخفيف في عدد الصلوات. فكان الأخ الأكبر ناصحا لأخيه، يشفق على أمته من حمل ما لا يطيقون.

سدرة المنتهى: ما بعد الحجب

ثم بلغ سدرة المنتهى، وهي الحد الذي تنتهي إليه علوم الخلق. وهناك تلقى الخطاب الإلهي، وخرق من الحجب ما لم يخرقه نبي قبله. وقد وصفه القرآن بأبلغ عبارة: ما زاغ البصر وما طغى. ثبات تام، لا التفات إلى غير المقصود، ولا تجاوز لحد الأدب. وهذا هو كمال العبودية: أن يبلغ العبد أقصى القرب فلا يزداد إلا انكسارا وأدبا.

من المعراج النبوي إلى المعراج الروحي

وفي نظري أن السير الروحي محجة بيضاء، ليلها كنهارها. يستضيء فيها السالك بشمس النبوة المتمثلة في القرآن والسنة، وبقمر العقل الذي يستمد نوره منهما. وبهذين يترقى المؤمن شيئا فشيئا إلى سدرة منتهى وجوده الحسي، فيغلب وجوده المعنوي على وجوده المادي، ولا ينفك مع ذلك عن حدود الشريعة التي هي ميزان كل سلوك.

وحينئذ يتحقق بمعنى الحديث القدسي: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به. ليس هذا اتحادا ولا حلولا، فالرب رب والعبد عبد. وإنما هو فناء الإرادة في إرادة المولى، وحفظ من الله لجوارح عبده فلا تتحرك إلا بما يرضيه. ويصير العبد منخرطا في سيمفونية الوجود، متناغما مع تسبيح الكائنات التي لا تفقه بقية الناس تسبيحها.


إصبع النبوة وسيمفونية الوجود

وأجمل ما في الصورة ما يفعله المصلي في تشهده، حين يرفع سبابته مشيرا إلى الله. تلك الإشارة هي خلاصة الطريق. فإذا تصورنا الكون كله جسدا واحدا مسبّحا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبع ذلك الجسد الكوني، يشير به إلى مولانا وحبيبنا جميعا، رب العزة جل علاه. وما على الأتباع إلا أن يكونوا أعضاء في هذا الجسد، يتجهون حيث يشير، ويقصدون حيث قصد.


وبهذا تلتقي الصلاة الإبراهيمية والتشهد وقصة الكهف وحادثة المعراج في نسق واحد: ارتباط بالصالحين، واتباع للنبي، وسعي إلى الله. والغاية أن يعود السالك من معراجه الروحي وقد ازداد أدبا وتواضعا ورحمة بالخلق، كما عاد النبي من سدرة المنتهى لا ليعتزل الناس، بل ليحمل إليهم الصلاة، وهي معراج المؤمن في كل يوم خمس مرات.


د. محمد غاني، كاتب، المغرب


 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page