top of page

قاضية من جنوب أفريقيا تهز عرش الرواية الإسرائيلية في أوسلو

قبل ساعة واحدة
3 دقيقة قراءة


بقلم د. رضا عادل فاضل


ليست الجوائز الكبرى أحداثاً بروتوكولية عابرة، فهي إشارات رمزية تكشف أين تتحرك الشرعية في لحظة تاريخية بعينها، ولهذا بدا الانزعاج الإسرائيلي من منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 أكبر بكثير من مجرد اعتراض على اسم فائز فبيلاي ليست ناشطة عابرة في المشهد الحقوقي، إنها قاضية بدأت مسارها محامية في مواجهة نظام الفصل العنصري، وترأست المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وعملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، ثم شغلت منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وترأست لاحقاً لجنة التحقيق الأممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي خلصت في سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وحين يُكرَّم صاحب هذا الرصيد القانوني والأخلاقي، يتحول الاتهام من رأي ناقد إلى اعتراف مؤسسي، وهنا تحديداً تكمن الحساسية.

وقد جاء الرد الإسرائيلي الرسمي ليؤكد هذه القراءة، إذ اعتبرت إسرائيل أن منح الجائزة يضفي شرعية على ما وصفته بالكراهية المعادية لها، وفي هذه العبارة يظهر جوهر المأزق، فبدلاً من مناقشة الوقائع التي وثقتها لجنة التحقيق وتكييفها القانوني، ينتقل الجدل إلى دوافع الجهة المانحة والفائزة معاً، وهي آلية دفاعية مألوفة في الخطاب السياسي حين يضيق هامش الرد الموضوعي.


ويستلزم هنا التمييز بين نوعين من النفوذ، الأول هو النفوذ الخطابي، أي القدرة على تحديد ما يمكن قوله وما يُحظر، وعلى ربط أي نقد لإسرائيل بالعداء لليهود، وهذا النفوذ يتآكل بوضوح، فقد تبدلت صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، وبخاصة بين الأجيال الشابة، وانكسر الإجماع الحزبي القديم في الولايات المتحدة، وصدرت أحكام وقرارات وأوامر توقيف دولية لم يكن أحد يتصور صدورها قبل عقد من الزمن، واعترفت دول غربية وازنة بدولة فلسطين.


أما النوع الثاني فهو النفوذ المادي والتشريعي، وهو لا يزال متيناً، فالتمويل السياسي المؤثر في الانتخابات التمهيدية الأمريكية حاضر، وقوانين مناهضة المقاطعة وتعريفات معاداة السامية المعتمدة في مؤسسات كثيرة ما زالت سارية، والفيتو الأمريكي في مجلس الأمن ما زال يوفر المظلة، وبلغ الأمر حد فرض عقوبات أمريكية على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية، وهذا يدل على أن القوة الصلبة تُستدعى حين تضعف القدرة على الإقناع.


وعلى ذلك فأن اللوبي يخسر معركة الشرعية الأخلاقية قبل أن يخسر معركة المؤسسات. وهذا ما تصفه أدبيات العلوم السياسية بتآكل الهيمنة بالمعنى الغرامشي، حين تنكسر الموافقة الطوعية فتلجأ السلطة إلى الإكراه. لذلك أرى أن القراءة الاحتفالية التي تعدّ الجائزة دليلاً على انهيار النفوذ تتجاوز الدقة، فالتكريم الرمزي مؤشر على اتجاه التحول وليس برهاناً على اكتماله، وللدقة أيضاً، فما نملكه موثقاً هو موقف إسرائيل الرسمي، أما تعميمه على كل مراكز الضغط المؤيدة لها حول العالم فيحتاج إلى رصد ميداني لمواقفها.


السيناريو الأول، التآكل التدريجي مع صمود المؤسسات، وهو الأرجح في تقديري، تتسع الفجوة بين الرأي العام والنخب السياسية في الغرب، بينما يتغير القرار الرسمي ببطء، فتتحول بيلاي وأمثالها إلى مرجعية قانونية وأخلاقية يتراكم أثرها في الجامعات والمحاكم والبرلمانات، دون أن ينعكس ذلك سريعاً على السياسات.


السيناريو الثاني، الهجوم المضاد، تتجه الدوائر المؤيدة لإسرائيل إلى التشكيك في استقلال لجنة نوبل وفي مصداقية لجان التحقيق الأممية، مع مزيد من التشريعات والضغوط على المؤسسات الدولية، وهذا سلوك معتاد لأي منظومة نفوذ تشعر بأن شرعيتها مهددة، وقد يؤخر التحول لكنه يرفع كلفته الأخلاقية على أصحابه.

السيناريو الثالث، الانكسار البنيوي، يتحقق إذا صارت القضية عنواناً انتخابياً حاسماً داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، فتُربط المساعدات العسكرية بشروط المساءلة، احتماله قائم، لكنه مرهون بتحولات الداخل الأمريكي أكثر مما يرتبط بأي جائزة.


السيناريو الرابع، تلاشي الأثر، تمر الجائزة كحدث إعلامي عابر، ويعود الزخم إلى مجريات الميدان وحسابات السياسة، وهو وارد إذا غابت الجهود التي تحوّل الرمز إلى فعل.


لكن الدرس الأهم أن المكاسب الرمزية لا تتحول إلى سياسات إلا بعمل منظم، يقوم على توثيق قانوني رصين، ودبلوماسية تتحرك داخل المؤسسات الدولية، وخطاب إعلامي يخاطب الرأي العام الغربي بلغته وأدواته بعيداً عن الانفعال، فمعارك الشرعية لا يربحها من يملك الحق وحده، وإنما من يحسن استثمار لحظتها.

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page