top of page

من شوارع باريس إلى مستقبل إفريقيا: هل تتصدّع أوروبا وتبدأ ثورة سياسية جديدة؟

قبل 4 ساعات
4 دقيقة قراءة

نورة حفيّظ- تونس


تحقيق استقصائي | أوروبا بين أزمة الشرعية وإعادة توزيع النفوذ العالمي


لم تعد الاحتجاجات التي تهزّ فرنسا مجرد انفجار اجتماعي عابر، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة النموذج الأوروبي على الاستمرار. فمن غضب الطلاب إزاء تدهور التعليم ونقص المدرّسين، إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في المؤسسات، تتراكم مؤشرات أزمة تتجاوز حدود فرنسا، وتطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل تشهد أوروبا بداية تحوّل تاريخي يعيد تشكيل علاقتها بالديمقراطية والاقتصاد وموازين القوى الدولية؟

في أكتوبر 2026، اتسعت الاحتجاجات الفرنسية لتجمع فئات اجتماعية ونقابية مختلفة، وسط أعمال عنف وتخريب واشتباكات مع الشرطة. وتجد الحكومة نفسها أمام معضلة مزدوجة: استعادة النظام العام من جهة، والاستجابة لمطالب اجتماعية لا يمكن اختزالها في المواجهات الأمنية من جهة أخرى. وتكشف الأزمة، وفق تقارير صحفية حديثة، عن تداخل الغضب الطلابي مع الضغوط المعيشية والجمود السياسي والمخاوف المرتبطة بموازنة الدولة.


لكن السؤال الاستقصائي الأهم ليس ما الذي يحدث في الشارع الفرنسي فحسب، بل لماذا تتكرر الأزمات رغم تعاقب الحكومات والوعود بالإصلاح؟


//فرنسا: حين تتراجع الثقة في الجمهورية//


تقوم الجمهورية الفرنسية على إرث ثورة 1789، التي رسّخت مفاهيم المواطنة والسيادة الشعبية والحقوق. غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الشارع الذي مثّل، قروناً، أحد مصادر الشرعية السياسية في فرنسا، بات اليوم يعكس اتساع المسافة بين المؤسسات وجزء من المجتمع.

ولا يمكن اعتبار الاحتجاجات الحالية ثورة مكتملة الأركان؛ فالثورة ليست كثافة الحشود وحدها، وإنما انتقال من الاعتراض إلى مشروع سياسي بديل قادر على إعادة تنظيم السلطة. ومع ذلك، فإن اجتماع المطالب التعليمية والاقتصادية والاجتماعية مع أزمة التمثيل السياسي قد يفتح الباب أمام تحول أعمق إذا عجزت المؤسسات عن احتواء الغضب.

المسألة إذن ليست سقوط فرنسا، بل احتمال تآكل قدرتها على إنتاج توافق اجتماعي مستقر. وهذا ما يمنح الأزمة بُعداً أوروبياً: ففرنسا ليست دولة هامشية داخل الاتحاد، وإنما إحدى ركائزه السياسية والعسكرية، وشريك أساسي لألمانيا في صياغة توجهاته الاستراتيجية. وقد حذّرت تحليلات أوروبية من أن الاضطراب السياسي الفرنسي يضعف قدرة الاتحاد على التحرك بقرار موحد.


//بريطانيا و«بريكست»: استشراف مبكر أم قرار مكلف؟//


في 23 يونيو 2016، صوّت البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي بنسبة 52% مقابل 48%. وغادرت المملكة المتحدة الاتحاد رسمياً في 31 يناير 2020، قبل انتهاء المرحلة الانتقالية في 31 ديسمبر من العام نفسه، وبدء تطبيق اتفاق التجارة والتعاون بصورة مؤقتة في يناير 2021.

كان بريكست تعبيراً عن رفض قطاعات من البريطانيين ما اعتبروه تراجعاً في السيادة الوطنية، وعن خلافات تتعلق بالهجرة والتجارة والسلطة التنظيمية والهوية السياسية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القرار بوصفه إنذاراً مبكراً بأزمة الثقة التي تواجهها مؤسسات أوروبية تتعرض لضغوط قومية واجتماعية متزايدة.

لكن هل كانت بريطانيا تتوقع ما يحدث اليوم في فرنسا وأوروبا؟

لا توجد أدلة كافية للقول إن البريطانيين استشرفوا تحديداً موجة الاحتجاجات الحالية أو مسارها. الأدق أن جزءاً من الناخبين والنخب البريطانية رصد مبكراً التوتر بين التكامل الأوروبي والسيادة الوطنية، في وقت لم تكن فيه التداعيات الراهنة قد اتضحت.

ثم إن بريكست لم يكن انتصاراً بلا كلفة؛ فقد أوجد حواجز وإجراءات جديدة في العلاقات التجارية، وأعاد رسم شروط حركة الأفراد والتعاون الاقتصادي. ولذلك، فإن الدرس الاستراتيجي ليس أن الانفصال كان بالضرورة الخيار الصحيح، بل أن تجاهل مخاوف المواطنين قد يمنح القوى المناهضة للمؤسسات التقليدية فرصة لتغيير قواعد اللعبة.

وهنا تبرز مفارقة بريطانيا: خرجت من الاتحاد، لكنها لم تخرج من الجغرافيا الأوروبية ولا من تداعيات أزماته. وإذا تعمقت الانقسامات داخل الاتحاد، فقد تجد لندن فرصاً إضافية لتعزيز علاقاتها الثنائية مع الدول الأوروبية، من دون أن يعني ذلك تلقائياً تحقيق مكاسب استراتيجية صافية.


//هل نحن أمام ثورة أوروبية جديدة؟//


لا تشبه اللحظة الراهنة بالضرورة ثورة التنوير، التي مهّدت لتحولات فكرية وسياسية كبرى، ولا ثورة 1789 التي أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. لكن المقارنة تظل مفيدة إذا فهمناها باعتبارها سؤالاً عن شرعية النظام القائم.

قد لا تكون الثورة المقبلة ثورة على الملكية أو الكنيسة، بل صراعاً حول معنى الديمقراطية نفسها: من يملك القرار؟ من يتحمل كلفة الأزمات؟ وهل تستطيع المؤسسات المنتخبة تقديم حلول ملموسة لمجتمعات تعاني ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة وتزايد الشعور بانسداد الأفق؟

وتتوقف امتدادات هذا التحول على ثلاثة مسارات محتملة: إصلاح اجتماعي يعيد الثقة بالمؤسسات، أو صعود قوى قومية وشعبوية تستثمر الغضب، أو استمرار الاستقطاب بما يضعف قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات طويلة الأمد.

الخطر الأوروبي الحقيقي ليس الاحتجاج في حد ذاته، بل أن يتحول الغضب إلى قطيعة مستدامة بين المجتمع ومؤسساته، وأن ينعكس ذلك على السياسة الخارجية والدفاع والطاقة والهجرة.


//شمال إفريقيا: بين الفرص الجديدة ومخاطر التبعية//


بالنسبة إلى إفريقيا، وخصوصاً شمالها، لا تمثل الأزمة الأوروبية شأناً داخلياً بعيداً. فالضفة الجنوبية للمتوسط ترتبط بالاتحاد الأوروبي عبر التجارة والاستثمار والطاقة والهجرة والتعاون الأمني. ويظل الاتحاد شريكاً تجارياً واستثمارياً رئيسياً للقارة الإفريقية، فيما تحظى علاقاته مع دول شمال إفريقيا بأهمية خاصة.

إذا انشغلت باريس وبروكسل بأزماتهما الداخلية، فقد تتباطأ بعض المبادرات أو تتغير أولويات التمويل والتعاون. وقد تتقدم الاعتبارات الأمنية والسياسية على التنمية وحقوق الإنسان، خصوصاً إذا ازدادت الضغوط الانتخابية المرتبطة بالهجرة.

وتشير تحليلات حديثة للعلاقات الأوروبية المغاربية إلى تنامي المقاربة التبادلية التي تركز على الهجرة والطاقة والأمن، بالتزامن مع سعي دول شمال إفريقيا إلى تنويع شراكاتها الدولية.


وهنا تظهر فرصة استراتيجية لتونس والجزائر والمغرب وليبيا: توسيع العلاقات مع الصين وآسيا والولايات المتحدة وشركاء إفريقيا، وتعزيز التعاون المغاربي، والتفاوض مع أوروبا من موقع المصالح المتبادلة، لا من موقع الاعتماد على شريك واحد.

لكن الفرصة تحمل مخاطرة أيضاً. فالتنافس الدولي على الطاقة والموانئ والمعادن والبنية التحتية قد يحوّل المنطقة إلى ساحة مساومة بين قوى كبرى، إذا لم تمتلك دولها استراتيجيات اقتصادية مستقلة ومؤسسات قادرة على حماية مصالحها.

كما أن تراجع الاستقرار الأوروبي قد ينعكس على الصادرات والاستثمارات وفرص العمل والتحويلات، بينما قد تدفع الضغوط السياسية الأوروبية إلى تشديد سياسات الحدود والهجرة. وفي المقابل، يمكن لتونس أن تستفيد من موقعها المتوسطي لتطوير التعاون في الطاقات المتجددة والتعليم والتكنولوجيا والصناعات ذات القيمة المضافة، بدلاً من حصر العلاقة في مراقبة الحدود.


من يقرأ التحول قبل وقوعه؟

قد لا تكون فرنسا على أعتاب ثورة تاريخية بالمعنى التقليدي، وقد لا يؤدي اضطرابها إلى تفكك الاتحاد الأوروبي. لكن المؤكد أن الأزمات المتراكمة تفرض إعادة النظر في افتراضات الاستقرار الأوروبي.

لقد كشف بريكست، قبل عقد تقريباً، أن الانتماء إلى مشروع سياسي واقتصادي مشترك ليس ضمانة دائمة للاستمرارية. أما ما يحدث اليوم، فيطرح اختباراً جديداً: هل تستطيع أوروبا تجديد عقدها الاجتماعي والسياسي، أم ستترك المجال لقوى تعيد تعريف مستقبلها من داخل الغضب؟

بالنسبة إلى شمال إفريقيا، لا ينبغي انتظار الإجابة الأوروبية. فالتحولات الكبرى لا تعاقب فقط الدول الضعيفة، بل تكافئ أيضاً الدول التي تستعد لها مبكراً.

الرهان الحقيقي ليس انهيار أوروبا، بل قدرة دول المنطقة على الاستعداد لأوروبا مختلفة: أقل تماسكاً ربما، وأكثر انشغالاً بمصالحها الداخلية، وفي الوقت نفسه أكثر حاجة إلى شركاء قادرين على التفاوض بثقة واستقلالية.

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page