top of page

مهارة الاستعداد للتعلّم بوصفها إحدى مهارات الموظف الناجح في ضوء التشريعات الليبية

قبل 27 دقيقة
6 دقيقة قراءة

بقلم المستشار عبدالباسط صالح بن نجاح



لم يعد النجاح الوظيفي في المؤسسات الحديثة مرهونا بما يمتلكه الموظف من مؤهلات علمية أو خبرات عملية فحسب ، بل أصبح مرتبطا بمدى استعداده المستمر للتعلم ، وقدرته على اكتساب المعارف والمهارات الجديدة ، وتطوير أدائه بما يتلاءم مع متطلبات الوظيفة ومستجدات العمل الإداري .

فالموظف الناجح هو الذي يدرك أن المعرفة ليست حالة ثابتة ، وأن الكفاءة المهنية لا تتحقق بمجرد الالتحاق بالوظيفة العامة ، وإنما تبنى وتتطور من خلال الممارسة الواعية والتدريب المستمر، والاستفادة من الخبرات والاستعداد لتقبل التغيير والتعامل معه بإيجابية .

وتكتسب مهارة الاستعداد للتعلم أهمية خاصة في الوظيفة العامة وذلك نظرا لما تضطلع به الإدارة من مسؤوليات تتصل بخدمة المواطنين ، وتنفيذ القوانين واللوائح والمحافظة على المال العام ، وتحقيق المصلحة العامة .

ومن ثم فإن تطوير قدرات الموظف لم يعد أمرا تكميليا أو خيارا شخصيا محضا بل يمثل أحد المقومات الأساسية لرفع كفاءة الأداء الإداري وتعزيز فاعلية المرفق العام .

أولا: مفهوم مهارة الاستعداد للتعلم

يقصد بمهارة الاستعداد للتعلم امتلاك الموظف الرغبة الجادة والقدرة الفعلية على اكتساب المعرفة ، وتطوير المهارات ومراجعة أساليب العمل والاستفادة من الملاحظات والتجارب مع إبداء المرونة في التعامل مع المستجدات المهنية والتشريعية والتنظيمية .

ولا يقتصر الاستعداد للتعلم على حضور الدورات التدريبية أو الاطلاع على المواد العلمية ، بل يتجاوز ذلك إلى وجود عقلية مهنية منفتحة تؤمن بأن التطوير المستمر ضرورة لتحقيق التميّز الوظيفي .

ويتجلى ذلك في المبادرة إلى البحث عن المعلومات الصحيحة ، وطلب التوجيه عند الحاجة ، وتقبل النقد البناء والقدرة على تحويل ما يتعلمه الموظف إلى ممارسات عملية تسهم في تحسين جودة العمل وتقليل الأخطاء.

وبهذا فإن الموظف المستعد للتعلم لا ينظر إلى نقص المعرفة باعتباره عيبا ينبغي إخفاؤه ، وإنما يدركه بوصفه مجالا للتطوير، ويسعى إلى معالجته بجدية ومسؤولية دون أن يتخلى عن واجب التحقق من المعلومات أو الالتزام بحدود اختصاصه.

ثانيا: أهمية الاستعداد للتعلم في نجاح الموظف

تتجلى أهمية هذه المهارة في جملة من الجوانب المهنية والإدارية من أبرزها:

1/ رفع الكفاءة والإنتاجية : يسهم التعلم المستمر في تمكين الموظف من إنجاز مهامه بقدر أكبر من الدقة والسرعة واختيار الأساليب الأكثر ملاءمة لطبيعة العمل مما ينعكس إيجابا على مستوى الإنتاجية وجودة المخرجات.

2/ مواكبة التطورات التشريعية والتنظيمية: تتطلب الوظيفة العامة إلماما مستمرا بالقوانين واللوائح والقرارات والتعليمات ذات الصلة بالاختصاص الوظيفي ومن ثم فإن استعداد الموظف لتحديث معلوماته يساعده على تجنّب الأخطاء الإجرائية ، وتطبيق الأحكام القانونية تطبيقا سليما والتمييز بين ما يدخل في اختصاصه وما يستلزم الرجوع إلى الجهة المختصة .

3/ القدرة على التكيّف مع التغيير: تشهد بيئة العمل تطورات متلاحقة في النظم الإدارية والتقنيات وأساليب تقديم الخدمات. والموظف الذي يمتلك الاستعداد للتعلّم يكون أقدر على استيعاب هذه التغييرات، والتعامل معها بمرونة، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى الأساليب الأكثر فاعلية متى اقتضت مصلحة العمل ذلك.

4/ الحد من الأخطاء وتحسين جودة الأداء: يساعد التعلّم على اكتشاف مواطن القصور، وفهم أسباب الأخطاء، ووضع الحلول المناسبة لتفادي تكرارها. كما يعزز قدرة الموظف على مراجعة عمله والتثبت من صحة الإجراءات قبل اتخاذ الخطوات التي تترتب عليها آثار إدارية أو قانونية.

5/ تعزيز فرص التطور الوظيفي: يعد الحرص على اكتساب المعرفة وتطوير القدرات مؤشرًا إيجابيًا على الجدية المهنية والاستعداد لتحمّل مسؤوليات أكبر. وتظهر قيمة هذه المهارة بصفة خاصة عندما تقترن بالكفاءة الفعلية والانضباط والنزاهة والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة .

6/ دعم العمل الجماعي ونقل الخبرة : الموظف المستعد للتعلّم لا يكتفي بتطوير ذاته، بل يستفيد من خبرات زملائه ويتبادل معهم المعرفة ويسهم في نشر الممارسات الجيدة داخل المؤسسة بما يعزز التعاون المؤسسي ويحد من الاعتماد على المعرفة الفردية وحدها .

ثالثا: الأساس القانوني لمهارة الاستعداد للتعلم في التشريعات الليبية

لم يغفل المشرّع الليبي أهمية تطوير قدرات العاملين وتنمية كفاءاتهم بل أورد في قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010 أحكامًا صريحة تؤكد أهمية التدريب والالتزام بمتطلبات الوظيفة والسعي إلى الارتقاء بالمستوى العلمي والمهني للموظف.

فقد نصت المادة (11) في البندين الثاني والعاشر من قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010 على التزام العامل أو الموظف بحضور التدريب الذي توفره جهة العمل واتباع التعليمات المتعلقة به كما أوجبت عليه العمل على تنمية قدراته وكفاءته العلمية أو المهنية والاطلاع على القوانين واللوائح والتعليمات المتعلقة بعمله والإحاطة بها وتقديم المقترحات التي يراها مفيدة لتحسين طرق العمل ورفع مستوى الأداء.

ويستفاد من هذا النص أن التعلّم والتطوير المهني ليسا مجرد مظهر من مظاهر التميّز الشخصي ، بل يرتبطان بواجبات وظيفية قررها القانون .

فالموظف مطالب بالمحافظة على كفاءته وتحديث معلوماته والإلمام بما ينظم اختصاصه من أحكام وتعليمات بما يمكّنه من أداء عمله على الوجه المطلوب.

وكما تناولت المادة (39) من القانون ذاته التزام جهة العمل بتدريب العامل أو الموظف على الأسس السليمة لأداء عمله أو وظيفته، وهو ما يبرز أهمية التكامل بين مسؤولية المؤسسة في توفير التدريب الملائم، ومسؤولية الموظف في الاستفادة منه والالتزام بالتوجيهات المرتبطة به.

وبناء على ذلك فإن الاستعداد للتعلم في نطاق الوظيفة العامة الليبية ينبغي أن يُفهم في إطار متكامل يجمع بين الواجب القانوني في تنمية الكفاءة والمسؤولية المهنية في تطوير الأداء والالتزام المؤسسي بتحقيق المصلحة العامة .

ولا يعني ذلك أن كل وسيلة للتعلم تعد واجبا قانونيا مستقلا ، بل إن تحديد الالتزامات وآثارها القانونية يظل خاضعا للنصوص التشريعية واللوائح والتعليمات المنظمة للوظيفة المعنية.

رابعا: مظاهر الاستعداد للتعلّم لدى الموظف الناجح

يمكن الاستدلال على امتلاك الموظف لهذه المهارة من خلال مجموعة من السلوكيات العملية التي تعكس جديته ووعيه بمسؤولياته ومن أهمها :

1/ المبادرة إلى اكتساب المعرفة .

2/ الالتزام بالتدريب والتطوير المهني.

3/ تقبل الملاحظات والتوجيهات .

4/ مواكبة التشريعات والإجراءات .

5/ الاستفادة من الخبرات العملية .

6/ المبادرة إلى اقتراح التحسينات .

7/ المرونة في مواجهة التغيير .

خامسا: دور الاستعداد للتعلم في تعزيز الانضباط والمسؤولية الوظيفية

ترتبط مهارة الاستعداد للتعلم ارتباطا وثيقا بالانضباط الوظيفي ، لأن الموظف الذي يسعى إلى تطوير نفسه يكون أكثر وعيا بطبيعة واجباته وحدود اختصاصه ، وأكثر قدرة على فهم التعليمات وتطبيقها ، وأحرص على أداء المهام المسندة إليه بدقة وأمانة .

وكما أن الإلمام بالتشريعات والإجراءات يقلل من احتمالات الوقوع في الأخطاء الناشئة عن الجهل بالقواعد المنظمة للعمل ، ويعزز قدرة الموظف على التمييز بين التعليمات الصحيحة وما قد يحتاج إلى استيضاح أو مراجعة من الجهة المختصة ، وتبرز أهمية ذلك بوجه خاص في الأعمال الإدارية والمالية والقانونية التي قد تترتب على إجراءاتها آثار تمس حقوق الأفراد أو مصالح المؤسسة .

ولا تقتصر قيمة هذه المهارة على تجنب الأخطاء بل تمتد إلى تعزيز النزاهة وتحمل المسؤولية إذ إن الموظف الواعي بحدود معرفته لا يتسرع في إصدار الأحكام ولا يقدم معلومات غير متحقق منها ولا يتردد في طلب المشورة المهنية عندما تستدعي طبيعة المسألة ذلك .

ومن ثم فإن الاستعداد للتعلم يمثل إحدى الدعائم التي تساعد على بناء شخصية وظيفية مسؤولة ، تجمع بين المعرفة والانضباط وبين المبادرة واحترام الاختصاص ، وبين الرغبة في التطوير والالتزام بالقانون.

سادسا: مسؤولية المؤسسة في تنمية مهارة التعلم

على الرغم من أن المبادرة الشخصية تمثل عنصًا جوهريا في الاستعداد للتعلم ، فإن تنمية هذه المهارة لا تقع على عاتق الموظف وحده ، بل تتطلب بيئة مؤسسية تشجع على اكتساب المعرفة وتبادل الخبرات وتحسين الأداء.

وتتحقق مسؤولية المؤسسة من خلال تحديد الاحتياجات التدريبية وفقا لطبيعة الوظائف ، وإتاحة فرص التدريب المناسبة ، وتوفير المراجع والأنظمة والتعليمات اللازمة ، وتشجيع الموظفين على تقديم المقترحات التطويرية ، فضلا عن تقييم أثر التدريب في الأداء الفعلي .

وكما يقع على عاتق الرؤساء المباشرين دور مهم في توجيه الموظفين وتوضيح جوانب القوة والقصور في أدائهم ، وإتاحة الفرصة لهم لتطبيق ما اكتسبوه من مهارات ، وينبغي أن يقوم تقييم الاستعداد للتعلم على مؤشرات موضوعية، مثل المبادرة، وسرعة اكتساب المهارات، وتحسن جودة الإنجاز ، والقدرة على معالجة المشكلات لا على الانطباعات الشخصية وحدها.

إن المؤسسة التي تجعل من التعلم المستمر جزءا من ثقافتها الإدارية تكون أقدر على إعداد كوادر مؤهلة وتطوير أساليب العمل ، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين ، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات والمتغيرات .

سابعا: أثر الاستعداد للتعلم في تقييم الموظف والارتقاء بمساره الوظيفي

يعد الاستعداد للتعلم من المؤشرات المهنية التي يمكن الاسترشاد بها عند تقييم أداء الموظف ، متى ارتبط بسلوكيات قابلة للملاحظة ونتائج يمكن التحقق منها ، فالموظف الذي يبادر إلى تطوير مهاراته ، ويستجيب للتوجيهات ، ويطبق ما يتعلمه في إنجاز أعماله ، يقدم دليلا عمليا على جديته وحرصه على الارتقاء بمستواه المهني .

ومع ذلك ينبغي التمييز بين اعتبار الاستعداد للتعلم عنصرا إيجابيا في تقييم الكفاءة وبين اعتباره سببا قانونيا مستقلا للترقية ، فالترقية والاستحقاقات الوظيفية تخضع للشروط والضوابط والإجراءات المقررة في التشريعات واللوائح النافذة .

ولذلك فإن قيمة هذه المهارة تظهر على نحو أوضح عندما تقترن بالكفاءة الفعلية وجودة الإنجاز والانضباط والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية .

وبهذا المعنى لا يقاس الموظف الناجح بما يعرفه فحسب ، وإنما أيضا بقدرته على تطوير معرفته ، والاستفادة من خبراته ، وتحويل ما يتعلمه إلى نتائج ملموسة تخدم المؤسسة وتحقق أهدافها.

اخيرا إن مهارة الاستعداد للتعلم تمثل إحدى الركائز الأساسية للموظف الناجح ، لما لها من أثر مباشر في تنمية الكفاءة المهنية ، وتحسين جودة الأداء ، ومواكبة التطورات التشريعية والإدارية ، وتعزيز الانضباط والمسؤولية الوظيفية ، وهي تعكس وعي الموظف بأن النجاح في الوظيفة ليس إنجازا يتحقق مرة واحدة ، وإنما مسار مستمر من التطوير والمراجعة واكتساب الخبرات.

وفي إطار التشريعات الليبية تتأكد أهمية هذه المهارة من خلال ما قرره قانون رقم (12) لسنة 2010م بشأن علاقات العمل من التزامات تتعلق بحضور التدريب ، وتنمية القدرات والكفاءات العلمية والمهنية ، والإحاطة بالقوانين واللوائح والتعليمات المتعلقة بالعمل وتقديم المقترحات الرامية إلى تحسين الأداء .

وبهذا فإن الموظف الذي يتحلى بالاستعداد للتعلم هو موظف يدرك قيمة المعرفة ، ويحترم متطلبات وظيفته ، ويسعى إلى تطوير أدائه ، ويتعامل مع المستجدات بمسؤولية ومرونة ، ويجعل من اكتساب الخبرة وسيلة لتحقيق التميز المهني وخدمة المصلحة العامة ، فالتعلم المستمر ليس مجرد طريق إلى النجاح الوظيفي ، بل هو تعبير عن الوعي بالمسؤولية ، والإيمان بقيمة العمل ، والالتزام بأداء الواجب على الوجه الذي يحقق أهداف المؤسسة ويحفظ حقوق المواطنين .

 
 
 

تعليقات

تم التقييم بـ 0 من أصل 5 نجوم.
لا توجد تقييمات حتى الآن

إضافة تقييم
bottom of page