نظام "الطيبات" الغذائي: بين إغواء النص وروعة التجربة والمسطرة العلمية الصارمة
- قبل ساعة واحدة
- 5 دقيقة قراءة

جليلة كلاعي تونس
لطالما سعت البشرية نحو إيجاد المعادل الموضوعي للخلود الصحي، وبحثت في تضاعيف الأيام عن الحمية الغذائية التي تطوي صفحة الأسقام وتغلق أبواب الصيدليات إلى الأبد.
إلا أن الجدل المستعر الذي يجتاح الفضاء الرقمي والاجتماعي العربي اليوم من مشرقه إلى مغربه، وبدأ يتسلل إلى النقاشات في بعض الدوائر الأوروبية، حول ما يُعرف بـ "نظام الطيبات" الذي صاغه الطبيب الراحل الدكتور ضياء العوضي، يتجاوز حدود الرغبة في خسارة الوزن التقليدية ليلامس تخوم الهوية والمنهج المعرفي.
إننا لا نقف هنا أمام مجرد جدول غذائي مسموح وممنوع، بل أمام حالة من الاستقطاب الحاد التي تعكس صراعاً عميقاً بين سلطة النص والتجربة الشخصية الذاتية من جهة، وسلطة المؤسسة العلمية الأكاديمية الصارمة من جهة أخرى، وهو ما يستدعي تفكيك هذه الأطروحات ومقاربتها بنوع من الحياد البارد والعمق التحليلي.
في الفلك الأول لهذا السجال، يقف تيار المؤيدين الذين يجدون في هذا النظام ملاذاً استشفائياً استثنائياً، حيث لا يستند هؤلاء في قناعاتهم إلى أوراق بحثية منشورة في المجلات الدورية، بل يرفعون لواء "التجربة خير برهان" كحجة وجودية لا تقبل الدحض.
إن قصص التعافي والشهادات الحية المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي يتحدث أصحابها عن التخلص من اضطرابات الجهاز الهضمي والقولون العصبي المزمن بمجرد التوقف عن تناول الخضروات النيئة والدواجن والبقوليات، شكلت وقوداً حيوياً لانتشار هذا النهج وتأصيل شرعيته المجتمعية.
هذا التيار يعزز يقينه عبر ربط فلسفة النظام بالقراءات والتأويلات لبعض النصوص القرآنية والمفاهيم التراثية التي تقسم الأطعمة إلى "طيبات" و"خبائث" بناءً على معايير الهضم والفضلات والالتهابات وتجنب الأغذية المعالجة أو المعدلة كيميائياً، مما يمنح الحمية هالة روحية تدغدغ العاطفة الجمعية وتكسبها حصانة شعبية تتجاوز الشكوك السائدة وتجعل من "الطيبات" أكثر من مجرد نظام غذائي، بل أسلوب حياة يحمل بعداً عقائدياً وصحياً متكاملاً.
وفي المقابل تماماً، تتبنى المؤسسات الطبية وخبراء التغذية الأكاديميون موقفاً رافضاً بالمطلق، واصفين هذا النظام بأنه يفتقر إلى الحد الأدنى من القواعد والمنهجية العلمية الراسخة.
ينطلق هذا الطرح الرافض من خطورة المبادئ الأساسية للحمية، لاسيما تلك التي تدعو بجرأة غير مسبوقة إلى تقليل شرب الماء والاعتماد التام على الشعور بالعطش، أو تلك التي تتسامح مع استهلاك كميات كبيرة من السكريات والدهون الحيوانية في مقابل حظر أطعمة أساسية كالبقوليات والألياف، والتي تجمع المنظمات الطبية الكبرى مثل جمعية القلب الأمريكية على أهميتها القصوى للصحة الحيوية.
لكن مكمن الاعتراض القاطع لدى هذا التيار يتبلور في الشعار الأبرز للنظام وهو الوصول إلى "مرحلة صفر دواء"، حيث يرى المعارضون أن تشجيع مرضى الحالات المزمنة مثل السكري أو الاعتلال الكلوي على ترك الأدوية الحيوية كالأنسولين يمثل مجازفة غير محسوبة قد تؤدي إلى مضاعفات شديدة تهدد الحياة، مشددين على أن غياب الدراسات السريرية الطولية والموثقة يجعل من هذا النظام مغامرة بيولوجية تفتقر للمسطرة العلمية التي تُقاس بها سلامة البشر.
وبين حدة الرفض والقبول، تشكلت أطروحة ثالثة تحاول إمساك العصا من المنتصف، وترى في النظام أفكاراً يمكن البناء عليها شريطة إخضاعها للتعديل والتهذيب الطبي. يرى أصحاب هذا الرأي أن التباين البيولوجي والوراثي بين البشر يمنع تعميم أي حمية بشكل مطلق، مستشهدين بنظريات فصائل الدم والتنوع الجيني الذي يجعل طعاماً معيناً مناسباً لشخص ومضراً لآخر.
هذه الرؤية الإصلاحية تدعو إلى غربلة محتوى النظام، والاحتفاظ ببعض الإيجابيات مثل الصيام المتقطع والابتعاد عن الأطعمة السريعة والمعالجة بالهرمونات، مع رفض الأفكار الأخرى كقطع الأدوية أو حظر الخضار والماء. ويتلاقى هذا الطرح مع تيار نخبوي آخر يرى أن الحالة الحالية تكمن في غياب "البيان والتبيان" الرسمي والشفاف، مطالبين بضرورة جلوس ممثلي الطرفين والمؤيدين والمعارضين على طاولة حوار علمية وعقد مناظرات هادئة تقدم الأدلة والحجج الواضحة للعامة، بدلاً من ترك الساحة للمعارك الإعلامية التي تزيد من تشتت المستهلك العربي وسط طوفان المعلومات المتناقضة.
ولم يتوقف النزاع عند حدود البيولوجيا والتغذية، بل امتد ليتناول البعد السلوكي والشخصي لصاحب النظرية كجزء من عملية التقييم والجدل العام، إذ يشير منتقدو الطرح إلى أن شخصية الطبيب الراحل كانت تتسم بالعصبية والحدة في الردود، وتصل أحياناً إلى الصدام اللفظي الشديد والشتيمة عبر البث المباشر، بالإضافة إلى كونه مدخناً وهو سلوك يتناقض ظاهرياً مع التبشير بالصحة المطلقة والشفاء الكامل.
وعلى الجانب الآخر، ينبري المدافعون لرد هذا الهجوم من خلال الفصل التام بين السلوك الشخصي والنظرية المعرفية، معتبرين أن انفعال الرجل كان نابعاً من إيمانه العميق بفكرته وحرصه على مواجهة ما يسمونه "شركات الصناعات الطبية الكبرى والرأسمالية"، ومؤكدين أن عاداته الشخصية كالتدخين لا تقلل من القيمة الاستشفائية للنظام الغذائي الذي طرحه، فالأصل هو جودة المنتج المعرفي ونتائجه الملموسة على الأرض وليس السمات السيكولوجية لمن نادى به.
إن هذا الاستقطاب الحاد والواسع حول نظام "الطيبات" اليوم يعيد إلى الواجهة التساؤل الفلسفي الأزلي حول مصادر المعرفة التي نثق بها في العصر الرقمي: هل نتبع حدس التجربة الإنسانية المباشرة بوعودها السريعة في الشفاء، أم نلتزم ببطء ومحافظة المنهج العلمي التقليدي الذي يرفض الخطوات غير الخاضعة للرقابة المخبرية الدقيقة؟ ومع تبني بعض المشاهير وصناع المحتوى لهذه الأفكار وتحولها إلى "تريند" عابر للقارات، يبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام كل فرد لممارسة حريته الفكرية والتحليلية في قراءة هذه المعطيات، وتحديد المرجعية التي يأتمنها على جسده وصحته، في عالم باتت فيه الحقيقة مادة مرنة تتجاذبها الأهواء والأدلة من كل جانب.
سيكولوجيا الشهرة، وتاريخ الجدل، وسلطة النص: التفكيك المعرفي لظاهرة الأنظمة الغذائية غير التقليدية
إن التهافت المتسارع نحو تبني الأنظمة الغذائية غير التقليدية في العصر الرقمي لا يمكن عزله عن بيئة نفسية واجتماعية معقدة، حيث تلعب شهادات المشاهير دور الرافعة السيكولوجية التي تمنح الفكرة العادية بريقاً استثنائياً وتجعلها عابرة للحدود، فالعقل البشري يميل غريزياً إلى اختصار طرق البحث والتدقيق المعرفي عبر آلية نفسية تُعرف في علم النفس الاجتماعي باسم "الاستدلال بالثقة وعاطفة الانتماء".
عندما يخرج نجم جماهيري أو صانع محتوى يتابعه الملايين ليعلن بملامح واثقة تعافيه الكامل من مرض مزمن أو استعادته الحيوية المفقودة بفضل حمية معينة، فإن المشاهد لا يستقبل هذا الإعلان كمعلومة مجردة خاضعة للنقد، بل كحقيقة مطلقة ومجربة.
يتولد هنا ما يُسمى بـ "التأثير الهالي" حيث تُسقط نجاحات المشاهير وجاذبيتهم في مجالاتهم الأصلية على كفاءتهم الطبية والبيولوجية، مما يخلق تضامناً عاطفياً وثقة عمياء تدفع الجماهير لتطبيق التجربة دون التساؤل عن الفروق الفردية في البنية الجسدية أو غياب الدليل المختبري، لتتحول الشهادة الفردية إلى ما يشبه الوحي الصحي البديل الذي يعوض غياب اليقين في المؤسسات الطبية التقليدية التي غالباً ما تتحدث بلغة احتمالية وجافة لا تلبي شغف الباحثين عن الحلول الاستشفائية السحرية والسريعة.
وإذا ما نظرنا بعين المؤرخ لظاهرة الحميات الغذائية المثيرة للجدل، سنكتشف أن "نظام الطيبات" ليس بدعاً من الأمر، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات الفكرية بين الأطروحات الفردية والمجامع العلمية الحذرة، ولعل أقرب الأمثلة التاريخية في العصر الحديث هو "نظام أتكينز" الغذائي الذي ظهر في سبعينيات القرن الماضي مقدماً ثورة على الهرم الغذائي التقليدي عبر حظر الكربوهيدرات كلياً وإتاحة الدهون والبروتينات بلا قيود.
في ذلك الوقت، قوبلت هذه الأطروحة برفض قاطع وصارم من جمعية القلب الأمريكية والمنظمات الطبية الكبرى التي اعتبرت النظام خطراً داهماً على الشرايين والقلب بسبب ارتفاع الكوليسترول، واستمر هذا الحظر المعرفي لعقود حتى بدأت الأبحاث السريرية المطولة تدرس الظاهرة بعمق، مما أدى في النهاية إلى تهذيب الفكرة وظهور نسخ علمية مقننة ومعدلة كحمية "الـكيتو" الطبية و"اللوكارب"، وهو سيناريو تكرر حرفياً مع "نظام فصائل الدم" لبيتر دادامو الذي قوبل برفض أكاديمي لغياب الأدلة الجينية، مما يوضح أن المسار التاريخي للمجامع العلمية يتبع دائماً مسطرة "التحفظ والمحافظة الصارمة"، حيث ترفض المؤسسة الرسمية أي حمية تخرق السائد حتى تثبت سلامتها عبر دراسات طولية مزدوجة التعمية، وهي عملية معقدة تستغرق سنوات طويلة، مما يخلق فجوة زمنية يتحرك فيها المروجون بحرية مستغلين بطء البيروقراطية العلمية.
غير أن البُعد الأكثر عمقاً وجاذبية في البيئة العربية والإسلامية يكمن في توظيف المرجعيات التفسيرية للنصوص الدينية، وهو المحور الذي يمنح الأنظمة غير التقليدية حصانة تفوق قوة أي ترويج إعلاني، إذ يعتمد واضعو هذه الأطروحات على إعادة قراءة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالطعام، لاسيما مفاهيم "الطيبات" و"الخبائث" أو آيات "وفاكهة وأباً"، من خلال تفكيكها لغوياً وربطها بآليات بيولوجية حديثة كـ الالتهابات الخلوية وميكروبيوم الأمعاء.
هذا التوظيف المعاصر يخرج بالمرجعية الدينية من سياقها التشريعي والأخلاقي العام المتعلق بالحل والحرمة والنزاهة، ليدخل بها إلى تفاصيل الفسيولوجيا الطبية والهضم الكيميائي، مما يضع المتلقي أمام معضلة نفسية حادة: فرفض النظام الغذائي قد يُفسر لديه، شعورياً أو لا شعورياً، كأنه تشكيك في دلالة النص القرآني أو قصور في فهم الإعجاز العلمي الكامن فيه. وفي المقابل، يرى تيار تفسيري وفقهي مضاد أن هذا المسلك يمثل "إقحاماً تعسفياً" للنص المقدّس الثابت في تفاصيل العلوم التجريبية المتغيرة بطبيعتها، محذرين من أن ربط صحة الدين بنظرية غذائية قد يثبت خطؤها مخبرياً لاحقاً هو مساس بقدسية النص، ومؤكدين أن القرآن جاء هادياً ومرشداً أخلاقياً، بينما تركت الشريعة تفاصيل الاستطباب والتدابير الصحية لـ أهل الذكر والتخصص التجريبي بناءً على القاعدة النبوية المعتمدة "أنتم أعلم بأمر دنياكم".


تعليقات