نوافذ فوضوية
- قبل ساعتين
- 2 دقيقة قراءة

ابرار الناصر
...
"أُصارِعُ ليلًا في الفؤادِ كأنَّهُ
بِلا فجرٍ… وبِلا نجمةٍ تهديني."
كم من فوضى عشتها في المنزل، في العمل، في التعاملات، في الطرقات، وحتى في داخلك.
كم من فوضى سُمّيت بغير اسمها الحقيقي، فضاقت بك الحياة أكثر دون أن تعرف السبب.
كم من فوضى كانت تصرخ فيك قائلة:
تعالَ إليّ في هذا الظلام الدامس، لأريك ظلامك الذي أتعبته بالأوهام والزيف والهروب من نفسك.
وكم من فوضى لم تكن خرابًا كما ظننت، بل إعادة ترتيب خفية لحياتك، لترتقي وتنضج وتُبصر الأمور بصورة أعمق.
كم من مرة نفضت الغبار عن زاويةٍ مهملة، فاكتشفت نافذة لم ترها من قبل،
وخلف كل نافذة فوضى أخرى…
لكنها فوضى تعيدك إلى ذاتك، لتعرف من أنت حقًا، بعيدًا عن الضجيج والصور المزيفة.
كل نافذة تمثل طبقة من الحياة لم تعشها بوعي،
حتى وقفت أمامها يومًا وقلت:
ما هذا؟
من أين أبدأ؟
وما هي خطواتي؟
وفي كل خطوة، هناك من يختار العزلة، أو الخلوة، أو الهروب، أو الصمت…
ولكل ردة فعل فوضى جديدة لم تكن بالحسبان.
لكن لو أعدت ترتيب هذه الفوضى،
وجلست مع نفسك بصدق،
وكتبت ما الذي يؤلمك فعلًا،
لنظرت إلى نفسك بعين الرحمة والتعاطف والطمأنينة.
لأن بعض الفوضى لا تأتي لهدمك،
بل لتبني ثباتك،
وتعيد توازنك،
وتقودك نحو الحياة التي لطالما حلمت بها.
وبعدها فقط…
ستعرف معنى الأشياء وأضدادها:
النور والظلام،
الجهل والعلم،
الطمأنينة والانزعاج،
الحب والبغض.
فلولا الأضداد، لما عرفت أين تقف الآن،
ولا ماذا تريد أن تصبح.
الفوضى لها ترتيب خفي،
ولها نهاية أيضًا،
لكن السؤال الحقيقي:
كيف ستنتهي؟
وكيف ستنظر إليها؟
وكيف ستعمل من خلالها دون أن تنكسر؟
الفوضى تُعلّمك، مهما بلغت، ومهما اشتد بك الطريق،
أنك إنسان خُلقت من طين،
وأن العقل أيضًا له عينان،
يرسم لك ما تراه، ويُعيد تشكيله من الداخل.
﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
فتتعلم كيف تجاهد نفسك،
وكيف تعود إلى ربّ العالمين، لا إلى البشر،
ليكون هو الملجأ، والنجاة، والوكيل في كل ما تمرّ به.
"ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذرعًا، وعندَ اللهِ منها المخرجُ." — الإمام الشافعي
لذلك العودة إلى الذات هي محلّها الآن، فلا تؤجلها كثيرًا.
فالإنسان حين يهرب طويلًا من نفسه،
تبدأ الحياة بمخاطبته على هيئة فوضى،
وعلى هيئة تعبٍ لا يُفهم،
وضيقٍ لا يُفسَّر،
وتكرارٍ غريب في المواقف والأشخاص والمشاعر.
وكأن الروح تقول لك:
توقّف قليلًا…
هناك شيء في الداخل يحتاج أن يُرى، لا أن يُدفن.
فالعودة إلى الذات ليست ضعفًا،
ولا انعزالًا عن الحياة،
بل هي أشبه بترميم بيتٍ قديم أهملته طويلًا،
حتى إذا أصلحته، عاد النور يدخل نوافذه من جديد.
اجلس مع نفسك دون خوف،
واسألها:
ما الذي أتعبني حقًا؟
ما الذي كنت أهرب منه؟
ومن أنا حين تسقط كل الأقنعة؟
حينها فقط،
ستدرك أن كثيرًا من الفوضى لم تكن لعنتك،
بل كانت الباب الذي أعادك إلى حقيقتك،
وأعاد ترتيب قلبك،
وربطك بالله بعد انقطاع طويل.
فكلما اقترب الإنسان من نفسه بصدق،
اقترب من ربّه أكثر،
وكلما فهم أعماقه،
هدأت حروبه الداخلية شيئًا فشيئًا.
لذلك من المهم أن تُعيد النظر إلى فوضاك مرة أخرى،
أن تجلس مع نفسك،
أن تكتب، أو ترسم، أو تتأمل:
إلى أين وصلت؟
وماذا تريد حقًا؟
فكلما نفضت غبار نافذة،
ظهرت لك نافذة أخرى،
ترتبها، وتفهمها، ثم تكمل مسيرتك في الحياة.
حتى تُدرك في النهاية،
أن بعض الرحلات كانت فردية،
وأن النجاة تبدأ من الداخل.
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾
وأن لكل بداية نهاية،
فكيف تودّ أن تُنهي المرحلة التي تعيشها الآن؟
بهدوء؟
بسلام؟
أم بفوضى جديدة؟
لأن النهاية التي تختارها اليوم…
قد تكون بداية نافذة أخرى لم تُفتح بعد.


تعليقات