وعد بن مبروك .. حين تتمرد شابة تونسية على قدر الوظيفة وتبني أعمالها من الصين

بقلم نورة حفيّظ- تونس.
في بلد يواجه فيه آلاف الشباب التونسيين سؤال المستقبل، اختارت وعد ألا تنتظر الإجابة. مهندسة كهروميكانيك، صحفية سابقة، أستاذة رياضيات، مهندسة كهرباء ومديرة مبيعات؛ مسارات متعددة لم تكن بالنسبة إليها علامات تشتت، بل محطات في رحلة طويلة انتهت بها إلى ريادة الأعمال والتجارة الدولية من قلب الصين.
لم تبدأ قصة وعد كرائدة أعمال تملك رأس مال كبيراً أو شبكة علاقات دولية واسعة. بدأت من موقع يشبه موقع كثير من الشباب التونسي: شهادة جامعية، طموح كبير، وسوق عمل لا يمنح دائماً الفرص التي تتناسب مع سنوات الدراسة.

بعد حصولها على البكالوريا شعبة الرياضيات، أمضت سبع سنوات في الجامعة قبل أن تتخرج مهندسة في الكهروميكانيك. غير أن الشهادة لم تكن كافية لضمان المسار الذي حلمت به. اشتغلت في مجالات مختلفة، من الصحافة وتدريس الرياضيات إلى هندسة الكهرباء وإدارة المبيعات في مراكز الاتصال.
كان بإمكانها أن تعتبر تعدد التجارب دليلاً على عدم الاستقرار، لكنها اختارت النظر إليه باعتباره تراكمًا للمهارات والخبرات.
ثم اتخذت قراراً غيّر مسار حياتها بالكامل: من مكثر - تونس إلى الصين.
لم تكن تعرف عن البلد الكثير، ولم تكن تملك تصوراً واضحاً عما ستفعله هناك. لكنها كانت تمتلك شيئاً آخر: الاستعداد للمغامرة، والقدرة على التعلم، ورفض فكرة أن يكون مستقبلها محدداً سلفاً بالوظائف المتاحة أمامها.
بعد وصولها إلى الصين، دخلت عالم الأعمال من بوابة الوظيفة. عملت مديرة مبيعات في مصنع للعطور، وهناك اكتشفت تدريجياً أنها تمتلك قدرة حقيقية على التواصل مع العملاء وبناء الثقة وإتمام الصفقات.
لكن التجربة الوظيفية لم تكن نهايتها.
بعد أشهر، عادت إليها الفكرة التي كانت تراودها منذ سنوات: لماذا أعمل دائماً لدى الآخرين؟ ولماذا لا أبني شيئاً خاصاً بي؟
هنا بدأت المرحلة الأهم.
أنشأت مكتبها الخاص في الصين، ودخلت مجال التجارة والتصدير. لم تكن البداية سهلة؛ لم يكن لديها عدد كبير من العملاء ولا ضمانات بأن المشروع سينجح. لكنها بدأت بصفقة، ثم بأخرى، حتى تمكنت من إنجاز أول حاوية تصدير لصالح عميل مغربي.
بعد ذلك، جاءت نقطة تحول غير متوقعة.
في الثالثة صباحاً، تلقّت اتصالاً من عميل عراقي طلب كمية صغيرة من أحد المنتجات لاختبار جودتها. تعاملت مع الطلب بجدية، وبحثت عن المنتج ووفّرته. لم تكن تعلم أن ذلك العميل سيصبح لاحقاً أحد أكبر عملائها.
هكذا بدأت شبكة أعمالها تتوسع، عميل يقود إلى آخر، والثقة تفتح أسواقاً جديدة. ومن الصين، أصبحت تتعامل مع عملاء من دول مختلفة، وتتعلم يومياً عن الأسواق والثقافات وأنماط التفاوض والتجارة الدولية.
قصة وعد تكشف جانباً مهماً من ريادة الأعمال: المشروع لا يبدأ دائماً برأس مال ضخم أو خطة مثالية؛ أحياناً يبدأ بسؤال، ثم بجرأة اتخاذ القرار.
وعد ليست نموذجاً لشابة وجدت الطريق سهلاً، بل لشابة رفضت أن تجعل صعوبة الطريق ذريعة للتوقف. تمردت على الصورة التقليدية لمسارها المهني، ولم تسمح لتخصصها الجامعي أو محدودية الفرص في محيطها بأن تصبح سقفاً لطموحها.
وفي تونس، حيث يواجه جزء من الشباب شعوراً متزايداً بالإحباط أمام البطالة وضعف الأجور وصعوبة تحقيق الاستقلال الاقتصادي، تستحق مثل هذه التجارب أن تُقرأ بجدية.
ليس المطلوب أن يغادر كل شاب تونس، ولا أن تصبح الصين وجهة الجميع. الرسالة الأهم في تجربة وعد هي امتلاك الجرأة على إعادة اختراع الذات.
إنها مثال حي على أن المهارات يمكن أن تتقاطع، وأن التجارب المتعددة يمكن أن تتحول إلى رأس مال مهني، وأن الفشل أو تأخر الفرصة لا يعنيان نهاية الطريق.
وعد اليوم ليست فقط مهندسة تونسية تعمل في الخارج. إنها رائدة أعمال تبني جسراً تجارياً بين الصين وأسواق دولية، وتجربة تستحق التشجيع والدعم، لا لأنها نجحت فحسب، بل لأنها اختارت أن تحاول حين كان الاستسلام يبدو الخيار الأسهل.
في بلد يحتاج إلى جيل جديد من المبادرين، ربما يكون أكبر ما يمكن أن نقدمه لشباب مثل وعد هو ألا نسألهم دائماً: «ماذا وجدت من وظيفة؟»
بل أن نسألهم:
«ماذا تستطيع أن تبني؟»


تعليقات